الكاتب: مروان الشويكي / الجمعية الفلكية الأردنية

 نشرت في: مدونة المرصد  سنة 2012

الخلاصة: * يعدّ هذا العام 2012 عاما كبيسا وفي هذا الشهر شباط/فبراير الذي كتبت فيه هذه المقالة سيتم كبس يوم زيادة للسنة بحيث تصبح 366 يوما بدل 365 وسيهنأ شباط فبراير ناقص الحظ بيوم يعدل من وضعه بين الأشهر الأخرى. ترى ما هي السنة الكبيسة وما أصل وتاريخ تطور التقويم الغربي الشمسي العالمي؟

* لو كانت السنة الشمسية تساوي عددا صحيحا من الأيام الأرضية وعددا صحيحا من الأشهر القمرية لاتخد أهل الأرض تقويما شمسيا -قمريا واحدا معروفا للجميع بحيث لا يحتمل أي اجتهاد.

لمّا كانت الأرض تدور دورة حول الشمس مرة واحدة كلما أكملت 365 دورة وربع الدورة حول نفسها، فإن أرباع الأيام تلك تتراكم لتصبح يوما كل أربع سنين. فاتفق الفلكيون والقادة في التاريخ على جمعها لتصبح يوما كاملا على أن يضاف هذا اليوم ليصبح اليوم التاسع والعشرين من شباط/فبراير مرة كل أربع سنوات إلا أن الأمر أكثر تعقيدا بقليل.

حسنا، لنبسط المسألة بمثال من الحياة اليومية المحتملة، لنفترض أنك تاجر نباتات وأنت تُصْدر في كل شهر شيكا بملغ 100 دينار لشراء 10 نبتات. ولكن المورد يمنحك خصما خاصا وهو عبارة عن مكافأة عينية تقدر برُبع نبتة لكل عشر نبتات. بالتأكيد فأنت لن تطلب إرسال ربع نبتة في كل صفقة. إذاً فما الحل؟ لا شك أنك ستطلب من متجر النبات أن يرسل لك نبتة كاملة إضافية كل 4 صفقات. إذا أمكننا تسمية الصفقة الرابعة بالصفقة الكبيسة لكبس نبتة كاملة فيها زيادة كل أربع صفقات، فهذا هو بالضبط ما نسميه قياسا بالسنة الكبيسة وهي السنة التي نضيف إليها يوما كاملا زيادة فوق الأيام الـ 365 المتفق عليها ليأخذ مكانه كيوم التاسع والعشرين لشباط/فبراير كل أربعة أعوام. ولكن لماذا؟

تدور الأرض حول نفسها مرة كل 24 ساعة وهذا الدوران شكل تناغما غاية في في الجمال وهو ما نسميه تعاقب الليل والنهار وقد انبهر الإنسان بهذا الانسجام المتكرر ليشعر من خلاله بمرور الزمن فاتخذ من هذا التعاقب ما بين الليل والنهار والنوم والعمل وحدته الأولى لقياس الزمان والتي سماها “اليوم”. وفي نفس الوقت فالأرض تدور حول الشمس دورة كاملة في فترة زمنية أطول وينتج عنها مراحل محسوسة وتناغما فريدا من نوع آخر ألا وهي الفصول الأربعة، فاتخذه هذه الدورة ما بين الفصول كوحدة هامة أيضا وسماها “السنة”. وأما الشهر فلا شك أن القمر بدورانه حول الأرض وبتغيير موقعه بين النجوم والتدرج الأسطوري لشكله من يوم لآخر قد أوحى للإنسان بفكرة الشهر ولم يمضِ وقت طويل قبل أن يعرف أن الفصول تتكرر مرة كل ما يقارب من 12 دورة قمرية ولهذا السبب بالذات قسم الإنسان السنة إلى 12 شهرا. ومن هنا فيمكننا الاستنتاج أن معظم الحضارات قد استندت إلى التقويم القمري بداية ثم حاولت موافقته على الفصول الأربعة والتي هي شمسية الطابع.

والآن لنعد إلى السنة الشمسية لنلقي نظرة أكثر دقة عليها. السنة الشمسية في الواقع لا تساوي عددا صحيحا من الأيام، أي أنها ليست 365 يوما ولا حتى 366، بل هي 365 يوما وربع اليوم أي 365.25 يوم. والناس في فجر الحضارات الأولى لا سيما السومريين والبابلين الذين رسموا الخطوط الاولى للتقاويم، لم يكونوا مبالين كثيرا بهذا الفرق البسيط مع علمهم به، بل تسهيلا للحسابات فإن بعض الحضارات قد اعتبرت السنة 360 يوما واتخذت الأيام الخمسة المتبقية عيدا كضرب من الحيلة للحصول على العدد السحري 360 الذي يمكنه القسمة على عدد كبير من الأعداد ولهذا السبب بالذات أعتبرت الدائرة 360 درجة وعلى هذا الأساس بنيت وحدات الزمن والتقاويم وحتى الهندسة.

إذاً فقد تطورت الشعوب شيئا فشيئا حتى أدركت أن الوقت أمر لابد من ضبطه فاضطرت إلى احتساب الأيام الخمسة الأخيرة بل أحيانا لدي بعض الشعوب المتحضرة مثل المصريين فقط احتسبوا حتى ربع اليوم الزائد عن الأيام الـ 365 بينما غيب هذا الربع لحقب عديدة لدى الإغريق مما أدى إلى تداخلات غير مرغوبة في الشهور والفصول لديهم. مثلا، فالإغريق الذين اعتمدوا التقويم القمري المعدّل على التقويم الشمسي واتخذوا بداية عامهم بعد نهاية الشتاء القارص ولتتوافق مع بداية الربيع وهو ما يوافق الحادي والعشرين من شهر آذار مارس في التقويم العالمي حاليا، فقد استمروا على أخطاء عدة أدت إى زحف في السنين مما استوجب منهم إجراء عمليات معقدة نوعا ما لضبط تقويمهم. فقد كانت السنة في بداية عهدهم تتألف من 10 شهور بمجموع 304 أيام فقط. وكانت تنتهي بما يوازي شهرين من الشتاء البارد مما جعلهم يعطلون نمط حياتهم جاعلين هذين الشهرين عيدا وهما بذلك لا يحتسبان في التقويم. وبعد ذلك تطور نقويمهم ليتألف من 12 شهرا حيث أصبحت عطلتهم الشتوية الطويلة داخلة في التقويم كشهرين رسميين وقد أسموهما إنوريوس Inouarius وفبروريوس Februarius وهما اليوم يناير وفبراير أو January و February . وكان فبراير لديهم قسمان فمرة يحتسبون القسمين معا كما هما وتارة يهملان القسم الثاني ويعوضون ذلك بإضافة شهر ثالث عشر للسنة لضبط الأخطاء المتراكمة وهكذا فقد كانت المسألة معقدة لديهم وتتماشى مع مقتضيات دينية وثنية بحتة.

في منتصف القرن الأول قبل الميلاد، جاء يوليوس قيصر الذي اعتلى سلم القيادة في روما بـ “تجارة الحروب” وسفك دماء الأبرياء من الناس وكان قد زار مصر وتعلم منهم طريقة جديدة في ضبط التقويم وهي ألا يهمل أرباع الأيام بل يكبسها لتصبح يوما كاملا كل أربع سنين.. هكذا ببساطة كما كان يفعل المصريون قبله. فجعل السنة الشمسية 12 شهرا بنفس عدد أيامها الحالية وجعل شباط-فبراير الذي كان يعتبر آخر شهر في السنة 28 يوما وكانت أيام السنة لديه 365.25 فأصبح فلكيوه يحسبون ثلاث سنين بواقع 365 يوما والسنة الرابعة يضيفون الأرباع المتجمعة معا لتصبح السنة الرابعة 366 يوما وكان ذلك اليوم يضاف إلى آخر شهر في السنة لديهم وهو شباط فبراير. وشعر هو وقومه بالارتياح ولكنهم لم يعلموا بأن الامر لم يكن بهذه البساطة ولم يدركوا بإن الزمن كان يحاسبهم حتى على الدقائق القليلة.

إن السنة الشمسية أي الفترة ما بين اعتدالين ربيعيين هي أقل بقليل من 365.25 التي احتسبها فلكيوا يوليوس قصير. إنها في الواقع 365.242374 وبذلك فإن السنة في تقويم يوليوس قيصر كانت تزيد بجزء صغير من اليوم يقدر بـ 0.007626 من اليوم بالنسبة للسنة الشمسية الحقيقية وهذا يعادل زيادة قدرها 11 دقيقة تقريبا كل عام. إن هذا العدد من الدقائق سبب زيادة في عدد الأيام بقدر 3 أيام كل 4 قرون. وكان آخر تصحيح قد جرى في عام 325 ميلادية وبعدها أهملت التصحيحات حتى تنبه له فلكيو البابا جريجوري الثالث عشر في عام 1582. عند ذلك الوقت كان مجموع الأيام التي تراكمت تعادل ما يقرب من 10 أيام. ومن هنا فقد أقر البابا جريجوري تقويما جديدا تم بموجه إسقاط الأيام العشر تلك حتى تتوافق الأيام وتعدادها مع الاعتدال الربيعي لاعتبارات دينية تتعلق بموعد عيد الفصح عند المسيحيين والواقع في أول يوم أحد يأتي بعد القمر البدر الذي يتلوا الاعتدال الربيعي. إن إسقاط عشرة أيام من التاريخ العالمي في عام 1582 تم بحيث أعتبر يوم الجمعة وهو اليوم التالي للرابع من تشرين أول أكتوبر من العام 1582 هو الخامس عشر وليس الخامس. اي أن الناس استيقضوا الجمعة ليعتبروه الخامس عشر وليس الخامس من أكتوبر مع عدم تأثر اليوم من الأسبوع بل بقي كما هو أي يوم جمعة. إن ذلك اليوم كان بمثابة التحول من التقويم اليولياني إلى التقويم الجريجوري ويجدر الذكر أن دولا كثيرة لم تتبع هذا التقويم إلا في قرون لاحقة تلت حتى أن الإتحاد السوفيتي السابق وبعض الدول الأخرى لم تتبع هذا التقويم إلا في في الثلث الأول من القرن العشرين أي أنها في بداية القرن العشرينكانت متأخرة عن العالم لأكثر من 11 يوما.

حساب أدق لكبس الأيام

إن فكرة يوليوس قيصر اقتضت بأن يتم كبس يوم زيادة لكل أربع سنوات مما يزيل التأخر في العد السابق للأعوام والمتمثل في ربع يوم كل عام. ولكن هذا سبب -كما أسلفنا- تجمع دقائق 11 كل عام لتصبح 3 أيام كل 4 قرون مما أفسد التوافق ما بين التقويم والفصول وما يتعلق بذلك من أعياد غربية. ففي التقويم الجريجوري تم تطبيق أمرين، أولا إصلاح الخلل المتمثل في زيادة 10 أيام طوال 13 قرنا وذلك بإسقاطها مرة واحدة، وثانيا متع تكرار ها التراكم وذلك بإجراء تعطيل عملية الكبس 3 مرات لكل 4 قرون وقد اتفق الفلكيون على أن يجري ذلك كما يلي:

جميع الأعوام تعتبر 365 يوما ما عدا الأعوام الكبيسة فهي 366 يوما وتحتسب كالآتي :

السنوات التي تقبل القسمة على 4 تعتبر كبيسة (مثال ذلك 1988، 1992، 1996، 2000، 2004، 2008، 2012، 2016 ،2020)

ولكن يعطل الكبس في السنوات التي تقبل القسمة على 100 ما عدا تلك التي تقبل القسمة على 400 فيتم فيها الكبس. (أي أن رؤوس القرون 1700، 1800، 1900، 2100، 2200، 2300 ليست كبيسة) (بينما رؤوس القرون 1600، 2000، 2400، 2800 تعتبر كبيسة)

إن هذه الطريقة تضمن توافقا كبيرا ولقرون طويلة وهي تحقق عاما جريجوريا طوله 365.2425 يوما ولكن ما زال هناك فرقا بين طول العام في التقويم الجريجوري المفترض وما بين العام الحقيقي والذي يساوي 365.242189 وهذا الفرق يعادل 0.0003 من اليوم تقريبا أي ما يقارب 26 ثانية كل عام وهذا يسبب تراكما بطيئا بحيث يعادل يوما كل حوالي 4000 عام. وهناك اقتراحات بعدم جعل العام 6000 كبيسا لإزالة أثر هذا التراكم الصغير.

إذن كخاتمة؛ كان الناس في البداية يهملون من حساباتهم 6 ساعات كل عام. وقد ثم حل هذه المشكلة بنظم الكبس التي تكبس يوما كاملا كل 4 سنوات ومنها النظام الجولياني قبل ما يزيد عن 2000 عام، ثم تنبه الناس إلى أنهم وبالتوقيم الجولياني كانوا يضيفون 11 دقيقة زيادة كل عام مما راكم 3 أيام لكل 4 قرون، وقد حلها البابا جريجوري الثالث عشر في العام 1582 وذلك بإسقاط التراكمات وبعمل نظام يضمن عدم تراكم المزيد من الايام. ثم الآن ومن خلال القياسات الدقيقة نكتشف اننا ما زلنا نضيف إلى التقويم الجريجوري العالمي ما يقرب من 26 ثانية في كل عام، ومع ذلك فما زلنا نشعر بالرضا حيث لن يتراكم  هذا الأثر الصغير ليصبح يوما قبل العام 6000م