Thinking levels - faces

-الجزء الأول-

د. محمد عوض الله

عند طرح قضية شائكة للنقاش، نجد كثيرا من الناس يختلفون عليها بين مؤيد ومعارض ومهتم ومتحيز ولامبال  وساخر…الخ وإذا حللت هذه القضية المطروحة إلى عناصر بسيطة تجد الجمهور يميل الى تاييد كل عنصر بحد ذاته. فيبدو الأمر غريبا، فإذا أجمع القوم على قبول العناصر، ورفضوا ما ينتج من تركيبها معا، إذ كيف يؤيدون المكونات ويعارضون المجموع؟ كيف يؤيدون الجزئيات ويعارضون البناء الكلي الذي بني منها؟؟.

هذه المسالة تعود إلى أن لصق وتركيب هذه الجزئيات معا يتطلب استخدام لاصق أو غراء من الفرضيات الضمنية والخلفيات المختفية التي يقرأوها ويفهمها كل واحد بطريقة مختلفة، فتتنافر الآراء وتتصادم الأفهام ويدب الخلاف وينشا الاتهام والصدام. ولعل من المفيد الان أخذ استراحة والنظر إلى الصورة أعلاه. كم وجها يمكنك أن ترى فيها؟؟

حاول جهدك أولا، وجرب أن تنظر إليها بطرق مختلفة، ثم إذا استنفذت كل محاولاتك، فاضغط على الصورة لتبحث عن الجواب.

عودا الى السياق الأول. دعنا ننظر في مستويات التحليل التي يتبعها كل في فهمة للقضية ذاتها. وهذه المستويات يمكن تشبيهها بالابعاد. وإذا بدانا بابسطها وهو البعد الواحد فأبسط مثال عليه هو تفكير الطفل الصغير الذي نكتفي منه بجواب نعم أو لا على أي سوال نوجهه له، وخاصة حول احتياجاته. هذا هو البعد الواحد وتخيل معي هنا محور السينات بنهايته الموجبة والسالبة.

والآن دعنا ناخذ البعدين، فيكون هناك متسع لأكثر من مجرد الإجابة بنعم أو لا، ويصبح بإمكان الفكر أن يسبح في بعدين و بالتالي يمكنه أن يحلل قليلا وبشكل أكثر حرية، لكنه يبقى تفكيرا محصورا في سطح ذي بعدين، وربما كان من المفارقة هنا ان نسميه تفكيرا سطحيا.

خذ الآن بعدا ثالثا، وانطلق بحرية في فضاء ثلاثي الابعاد. وأعط التقنية عمقا جديدا في التفكير والتحليل. عندها ستتضح لك أمور لا يراها من يفكر في البعدين أو المحصور في السطح فقط. فالمفكر هنا لديه محور عمودي على السطح، يحلق فيه، ويرى ما لا يراه المفكر الاخر حبيس السطح. وعلى هذا فهل يمكن لإنسان على الأرض أن يصف ما حوله من تضاريس بتفاصيل كتلك المتاحة لمن يحلق في طائرة فوق نفس المكان؟ وهل يمكن أن نقول أن كليهما يرى نفس المشهد؟! لا شك أن من يملك حرية التحليق بالطائرة يكون لديه من المعطيات والإطلاع على ما هو أكبر بكثير وأوسع بكثير أيضا.

ولنمض في زيادة الأبعاد إلى أربعة أوخمسة، وهكذا، ومع زيادة عدد الأبعاد يزداد العمق والدقة والحكمة في رؤية الأمور. لذلك فالفلسفة، وهي وعاء الحكمة، غالباً ما تنطوي على رتب عليا من الأبعاد الفكرية. فالفيلسوف يتكلم عن أمور لا يراها غالباً عامة الناس من ذوي البعدين أو حتى الثلاثة. وإذا لم يشرح لهم تفاصيلها وخفاياها، ويبسطها لهم ليروها بأبعادهم، فإنهم سينفرون منه ومن تحليله ويتهمونه بتعقيد الأمور، وحسبهم اتهامه بأنه “يتفلسف” وهو فعلا يفعل ذلك.

لقد مكنت القدرة على التحليل باستخدام نظم فكرية أو حسابية أو رياضية والتي انبثقت عن المنطق والفلسفة في العصور الغابرة، الإنسان من بناء النظم الرياضية التي نتجت عنها ما تسمى بالخوارزميات، التي شكلت لاحقا أساس أنظمة تشغيل الحاسوب، والذي بدوره وعند تحليله لكم هائل من المعطيات، يمكننا من رؤية علاقات فيها تخفى علينا بتفكيرنا العادي، بل ويعطينا النمط الذي يحكمها ويبين لنا الكثير من العلاقات بين المتغيرات الكامنة فيها.

ومن هنا أيضاً تتوجه الآن شركات الحسابات والتمويل والتأمين وتحليل المخاطر في الولايات المتحدة كثيراً لتوظيف الفيزيائيين والرياضيين لقدرتهم على فهم وتحليل العلاقات وأدراك أنماط النظم المتداخلة في المعطيات المختلفة.

عوداً إلى الأبعاد، فكلما مرنت فكرك على تناول قضايا مختلفة وقرأت تحليلات متباينة لهذه القضايا خصوصا السياسية والفكرية منها، فسوف تجد نفسك ترى ما لا يراه الكثيرون وتصبح لديك ما تسمى الحنكة والقدرة على التصرف في المواقف وأدراك بواطن الأمور. وهذا ما جعل الخليفة عمر بن الخطاب وقد أرسل عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) لمواجهة قائد الروم، ينعت عمروبقوله: لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، كناية عن دهائه وذكائه وحنكته وحكمته.

فالخلاصة أنه كلما كان البعد الذي تفكر فيه من رتبة أعلى، كان تحليلك عميقاً ومتتبعاً للعلاقات الباطنة والخفية في الأمور. وكلما كان قريباً من السطح فسوف لن ترى إلا ما هو على السطح والذي ببساطة يسمى سطحياً.

في الجزء التالي سنعرض لأمثلة من الأنماط الفكرية، وتمرينات على مستويات وطرق التحليل.