maxresdefault

شاء الله تعالى أن نكون من الكائنات من فئة المتر. حيث يمكننا مباشرة قياس أصغر الأشياء حتى أجزاء الألف من المتر وأكبر الأشياء بأجزاء  من الألف متر. أما فوق ذلك وتحته فلابد من أجهزة تبين لنا تفاصيله. فإذا صعدنا بالأبعاد إلى القوة السادسة للمتر، أي مليون متر (10 قوة 6) أصبحنا في عالم الفضاء والفلك. وإذا هبطنا للقوة السادسة من المتر (10 قوة -6) هبطنا إلى عالم البكتيريا والجراثيم. وإذا أوغلنا هبوطاً إلى القوة العاشرة فسوف نقف عند تخوم الذرات، وعندها، سوف ننظر يمنة ويسرة نحاول أن “نرى” أقرب الذرات (كما نتخيلها حسب النموذج الجميل في مختبر المدرسة)، فلا نراها. وكلمة نرى هنا مجاز لوصف الموقف، حيث تحتاج عيوننا من أجل الرؤية الى ضوء، وهذا ما لن تجده كما تتمنى قويا ساطعا ينير لك “ظلمة” ذلك المكان. بل لن ترى ضوءا ولن يكون هناك صوت لا للسمع ولا للكلام.

فإذا جمحنا بخيالنا لنعالج الموقف، فدعنا نتخيلك مكان أليس في بلاد العجائب، حيث يمكنها أن تصغر إلى حجم القوة السالبة التاسعة من المتر، أي ما يسمى النانومتر، وهذا يعادل 10 انجستروم. ودعنا نتخيلك ذو قدرات استثنائية حيث يمكنك أن “ترى” وأن “تسمع” وأن “تتكلم”. عندها بالتأكيد سوف يأخذنا الفضول للدخول إلى حرم الذرة القريبة منا، هنا سوف “ترى” عجباً عجاباً. فكل شيء سيكون متقطعاً. لن يكون هناك إمتداد ولن تكون هناك طريق تمتد إلى داخل الذرة مع درابزين لتمسك به وأنت تخطو داخلها. بل لن يكون هناك داخلها وخارجها، لن ترى كرات مجوفة من الزجاج أو البلاستيك كما في المختبر تدلنا على حدود الأفلاك الإلكترونية، لن نرى سوى اللاشيء. نعم اللاشيء، فراغ ممتد بكل اتجاه. وستكون كأليس معلقا في هذا الفراغ. لأنه لن توجد أرض تقف عليها في هذا العالم، سيكون هناك فقط فراغ وفيه قطع منفصلة من “الأشياء”. أقول الأشياء لأنه لا يوجد وصف مناسب يمثل ما سنرى. سوف تختلط حدود “المادة” بالمجال بالإمتداد “السحابي” الناتج عن تداخل تأثيرات المجالات على المادة التي لن تراها جالسة هامدة تنتظر أن تمسك بها.
لن ترى الإلكترونات تمر مر السحاب من أمام عينيك، ولن تكون “السماء” صافية لتراها من وراء “سحب” الإلكترونات، بل لن يكون هناك سحب أصلا. وسوف تبحث عن النواة بعيداً في العمق السحيق للذرة. فكل هذه هي تعبيرات الأرض، تعبيرات عالم المتر ومشتقاته، أما هناك في عالم الأنجستروم ومشتقاته فسنرى فقط فراغاً ممتداً وتأثيرات “تحس” بها أكثر من أن تراها. هناك لن يمكنك تطبيق قانون نيوتن الثاني ولا حساب معامل الاحتكاك. لن يمكنك قياس شدة التيار ولا حساب معامل الارتداد. لن يكون هناك معنى لدرجة الحرارة ولن يمكنك قياس الضغط الجوي. نعم إنه عالم آخر بكل معنى الكلمة. هناك لن تصلح ميكانيكا نيوتن، ولن تجد الأدوات المطلوبة لاستخدامها أو تطبيقها أصلا.
هناك يجب علينا أن نتعلم ميكانيكا من نوع آخر لا تشبه شيئاً مما يدرسه أهل الأرض في كليات الهندسة والتكنولوجيا، بل لا نعلم إن كان يجوز أن يوجد هناك شيء من هذه التكنولوجيا، بمعنى شيء مما صنع الإنسان، لأن الانسان لن يكون موجوداً هناك من الأساس. هناك يجب أن نتعلم ونستكشف ونطبق ميكانيكا الكم.

يتبع في الحلقة القادمة…

د. محمد عوض الله