maxresdefault

وقفت تتامل هذا التركيب العجيب من الأجسام الكروية يدخل بعضها بين بعض ويخرج البعض الآخر ليعود ويغوص دون أن تتغير الهيئة الكروية للمجموعة ككل. وهذا الشئ الذي تنظر اليه هو نواة ذرة النيتروجين حيث تحتوي هذه النواة على سبعة بروتونات وفي الغالب على سبعة نيوترونات، ونقول “في الغالب” لأن نسبة ضئيلة من نوى النيتروجين ربما تحوي نيوترونا أكثر أو أقل من ذلك وهذه تسمى نظائر النيتروجين والتي غالبا أيضا ما تكون مشعة.

تمعن النظر في هذه النواة محاولاً تمييز البروتونات عن النيوترونات لكن ذلك ليس سهلاً لتماثلها شبه التام. ولكنني سأدلك على طريقة، اقترب أكثر من النواة وتفحص جيداً وحاول أن تدقق في تركيب كل من هذه الكرات التي تتزاحم في النواة. هل ترى اختلافاً في سلوكها؟ لاحظ أن بعضها لا تتلامس ولا تقترب من مثيلاتها أبداً، بينما الأخرى من نوع آخر تتلامس وتتحرك بحرية. دقق أكثر، هذا بروتون تراه يتلامس مع نيوترونات في الجوار لكنه لا يقترب أبداً من البروتون الآخر، دقق لتميز أيها هو بروتون وأيها نيوترون. هل تلاحظ أي فرق؟ دقق في ملمس البروتون، ضع يدك عليه وتلمس سطحه ثم تلمس سطح نيوترون، هل من فرق؟ 

هل تلاحظ أن النيوترون أكثر “ملاسة” من البروتون، وهل تلاحظ الخشونة النسبية في سطح البروتون؟ ربما تقدم الصورتان أدناه تشبيها لما تراه.

NewtronProton

يتكون كل من البروتون والنيوترون من ثلاثة “كواركات” متلاصقة ببعضها لتكون كلا منهما بشكله الكروي المرن الذي تراه، وكل كوارك من هذه المتضامة المحتضن بعضها بعضاً يحمل شحنة، لكن كواركات البروتون يغلب عليها التنافر لأن شحناتها هي 2/3+ و 2/3+ و 1/3- بينما شحنات كواركات النيوترون هي 1/3- و 1/3- و 2/3+ وبذلك فشحنات النيوترون تحصل إلى الصفر بينما شحنات البروتون تحصل إلى واحد ومن هنا يبقى بعض التنافر بين كواركات البروتون مما يظهر في سطحه بعض الخشونة.

والآن سوف أزودك بقدرة خيالية جديدة خاصة بك لا توجد في الطبيعة وهي إنما وضعت في يدك لتميز وتتعلم فقط. هذه القدرة هي الكشف عن الشحنة، فمن هذه اللحظة سيمكنك بمجرد الإقتراب من الجسم المشحون أن تحس بشحنته وإن تعرف إن كان مشحوناً موجباً أم سالباً وسوف تحس بقوة هذه الشحنة ان كانت قوية أم ضعيفة.

لن نستخدم الألوان حتى لا تتعارض مع ألوان الفوتونات ولكن هذا الإحساس سيأتيك كما تحس برائحة القهوة أو النعناع مثلا. سوف تحس برائحة الشحنة بمجرد أن تنظر إليها بتركيز وبالتالي ستعرف مباشرة ما هيه هذه الشحنة إن كانت موجبة أم سالبة. تذكر طبعا أن هذا لا علاقة له بالواقع الذري الذي أنت فيه حيث لا معنى للرائحة، وأن الرائحة موجودة في العالم المتري فقط. لكننا نستخدم هذه الوسائل التخيلية للكشف عن خبايا عالمك الذري. 

جرب هذه القدرة الآن وسوف تحس برائحة شحنة البروتون قوية أما النيوترون فرائحته محايدة أو مزيج من الرائحة الموجبة والسالبة معاً.

حسنا، وقد أصبحت تميز البروتون من النيوترون، لاحظ أن الشكل الذي تراه للكواركات في البروتون دائم التقلب والتغير حيث يبدو أن هناك تبادل في المواقع والتحرك للكواركات وكأن بعضها يزحف حول بعض. لكنها تحتفظ بتماسكها معا بقوة تماسك تسمى القوة النووية القوية، وهي قوة كبيرة جدا بحيث لا يمكنك أن تحلم بسلخ واحد من الكواركات عن أخيه. وهناك أيضا القوة النووية الضعيفة التي تمسك البروتونات والنيوترونات ببعضها في النواة، وربما كان الأمر يستحق أن تمسك بأحد النيوترونات أو البروتونات محاولا اقتلاعه من النواة. ماذا؟ مستحيل؟ هاهاها، كلا في الحقيقة ليس ذلك مستحيلا ولكن بالطبع ليس بيديك، فهذا يتحقق بقصف النواة ببروتونات أو نيوترونات يتم تسريعها بالمسرعات لتصبح فائقة السرعة فتؤدي إلى تفتيتها وتشتت بعض البروتونات والنيوترونات عن بعضها. 

معلومة أخيرة هنا، كل من هذه البروتونات له طاقة معينة تصنف بناء عليها إلى مستويات للطاقة وهناك قوانين تخص الانتقال من مستوى إلى آخر بناء على امتصاص أو إشعاع طاقة (جاما) أو جسيمات (ألفا وبيتا) أو كليهما. 

عالم غريب ذلك الذي تعيشه …أليس كذلك.. نلتقي في الحلقة التالية إن شاء الله..

محمد عوض الله