بعد أن أصبحت تميز مكونات نواة النيتروجين وتعرف بوضوح البروتونات والنيوترونات، لاحظ أن حركة هذه المكونات بالنسبة لك بطيئة ويمكنك بسهولة متابعة دخولها وطفوها على سطح النواة. ذلك أن صغر حجمك يجعل الظواهر السريعة بالنسبة لك أبطأ لأن وحدة قياس الزمن عندك ستصغر لتتوافق مع حجمك وإذا نظرت إلى ساعة يدك لترى الزمن فسوف ترى التدرج يسجل بالنانو ثانية بدل الثانية وسترى عقرب الثواني نفسه يعد نانو ثوان وهنا لن ينفعك النظام الستيني والأفضل أن نستبدل ساعتك بساعة رقمية حيث لن تعود بحاجة إلى معرفة وقت الصباح والمساء ولا معنى للساعة الثالثة صباحاً والرابعة عصراً فالزمن لديك سيكون سيلاً متواصلاً لا يوجد من الظواهر ما يدلك عليه حسب ما تعودت عليه من المقاييس الأرضية. 

وإذا نظرت إلى الظواهر في عالمك الجديد فسوف تجدها ظواهر دورية تتكرر بانتظام كالليل والنهار والصيف والشتاء، بل ستجد الأحداث تأتي ثم تختفي دون سابق إنذار وستحس نفسك في عالم الأشباح هذا حيث يبرز فجأة ما لا تتوقع ويمضي ويختفي دون أن تدري. لذلك فحالك أشبه بحال خفافيش الليل التي تتعامل مع الظلام ولا تبصر بل تحس بما حولها بواسطة الأمواج فوق الصوتية. لكن لا عليك فسوف أزودك بقدرات تمكنك من إدراك كل ما يدور حولك. فدعنا نرى ماذا يوجد حولك. 

تترك النواة في حالها الآن إذ بالتأكيد سوف تعود إليها قريباً. وتجيل النظر في الآفاق المحيطة بها. وبما أنك أصبحت تدرك وجود الشحنات فسوف يقودك إحساسك بوجود شحنات في الأفق فوق رأسك تمتد كالغيوم في الأرجاء، سوف يقودك هذا إلى التحليق مبتعداً عن النواة.

وها هي مناطق جديدة تنكشف لك. إنك ترى فعلاً ما يشبه الغيمة أو الضباب يحيط بك وبالنواة وكأنما هي جدار كرة أنت والنواة موجودون بداخلها أو كأنها سقف أنت تحلق تحته لكنه كروي مغلق. تقترب منه وتمد يدك لتلمسه فتجده رقيقاً وغير متماسك وتنفذ يدك منه إلى خارجه. كذلك فوراً تحس بالشحنة السالبة لهذا الغلاف. تنظر بعينيك لترى مم يتكون، طبعاً تنظر هنا بقدراتك الخاصة لا بالنظر العادي المعتاد ” لا بد من تذكيرك”

إن شكل هذا الغلاف غريب فهو ليس كالغيمة في عشوائية شكل حوافها وإضطراب أجزائها، بل على العكس فهو يحدد السطح والحدود ويكاد يكون أملساً ويكاد يكون سمكه محدداً. لكن مهلاً هل له سمك؟ كيف يمكن أن تصفه ؟ هل يشبه كرة البلاستيك المجنونة؟ 

تجيبني: نعم ولا. فهو فعلاً ككرة البلاستيك لكن سطحه ليس أملساً بل هو كالطبقة الضبابية لا تعرف أين تبدأ لكنك تدخلها وتخرج منها من الجهة الأخرى كما لو أنك طائر يطير في غيمة. نعم أدرك أن الوصف الدقيق صعب ولكن الفكرة واضحة. إذن فهذه الغيمة أو الضبابة هي القشرة الإلكترونية الأقرب للنواة. وهي تحيط بها وتبقى مرتكزة على إرتفاع معين شبه ثابت.

والآن دعني أفاجئك بسؤال: هل أنت متأكد أن هذه الغيمة لا تمتد إلى أسفل بحيث تصل إلى النواة نفسها؟ لماذا تستغرب؟ حاول أن تتبع حدود هذه القشرة من الداخل، هل لاحظت ذلك؟ أنها تمتد بشكل يخف تدريجياً حتى تصل إلى النواة، تتبع، تلمس، حاول أن تجد أثرها نزولاً إلى النواة، هل وجدتها؟ نعم، هذا هو امتداد القشرة الإلكترونية الأولى التي نرمز لها 1s نعم إنها تمتد إلى النواة وربما لامستها ولكن بشكل خفيف جداً لا يكاد يلاحظ بينما يرتكز تواجد معظم الغيمة قرب السطح الخارجي للقشرة.

إن هذه القشرة يجب أن تحتوي على إلكترونين إثنين فهي ممتلئة وسوف تكون مهمتك الآن حل هذا اللغز: كيف تكون غيمة وكيف تكون قشرة؟ وكيف إلكترونين إثنين؟ ولكي أزيدك إستغراباً فإن هذين الإلكترونين يختلفان في خاصية معينة كل منهما له فيها صفة. 

محمد عوض الله