والآن، اصعد حتى يلمس راسك سطح الغيمة، لاحظ أن هذا السطح يتحرك، تلمس ذلك هل هو يتحرك عشوائيا كالغيوم العادية؟ لا إنه يتحرك باتجاه محدد كأنما أنت في كرة تدور حول نفسها، فسطحها يتحرك موحدا وباتجاه محدد.

نعم إن هذا السطح يدور كله حول النواة وكأنما هو يتجه من اليسار إلى اليمين بالنسبة لك. حسنا اصعد أكثر، نعم، يمكنك اختراق السطح والنفاذ عبره، استمر صاعدا.. ماذا ستجد، هل اخترقته وصعدت إلى خارجه؟ نعم أنت الآن تطير فوق هذا السطح وتراه من الأعلى.. ككرة كبيرة تحيط بالنواة. حسنا، وماذا أيضا؟! نعم نعم وتتحرك لكن هذه المرة من اليسار إلى اليمين أيضا !!. نعم أليس هذا غريبا؟! ماذا! ألا تدرك ما هو الغريب في ذلك؟

عندما نظرت من الأسفل رايتها تتحرك من اليسار إلى اليمين وعندما أصبحت فوقها ونظرت إليها، وجدتها تتحرك أيضا من اليسار إلى اليمين؟ ألا يجب أن يكون العكس؟ فما كان يرى من جهة متحركا باتجاه ينبغي أن يرى من الجهة الأخرى وهو يتحرك بالاتجاه المعاكس، طبعا ما دام وجهك باتجاه السطح في الحالتين. مثال ذلك شخصان يقفان على جانبي سكة الحديد، يمر القطار من بينهما، فإذا كان أحدهما يرى القطار متحركا من اليمين إلى اليسار، فبالقطع سيراه الآخر متحركا من اليسار إلى اليمين. أليس كذلك؟! لكن هذا “القطار” الذي أمامك يتحرك من اليسار إلى اليمين في الحالتين!! ما الأمر يا ترى؟ أم أن جدارا القطار يتحركان في اتجاهين متعاكسين؟!!

اذن فهناك لغز؟ كيف يتحرك وجها السطح باتجاهين معاكسين؟! حسنا، ما رأيك أن “تغوص” في هذا السطح الكروي الغائم مرة أخرى؟ ولكن هذه المرة تحرك ببطء وتحسس كل جزء من السطح أثناء نزولك عبره. حسنا ماذا رايت.. نعم هناك فراغ ضئيل في منتصف المسافة!! فراغ يفصل بين سطحين يدوران باتجاهين متعاكسين؟! حسنا نعم هذا هو الأمر إذن. فهذه الغيمة ذات الشكل الكروي لها في الواقع سطحان متلاصقان أو قل منفصلان بفراغ ضئيل ولكنهما بالتاكيد يدوران باتجاهين متعاكسين وهذا ما يجعل اتجاه الدوران يكون من اليسار إلى اليمين من داخل ومن خارج هذا السطح المزدوج، أو قل السطحين. حسنا دعنا نفهم ما يحدث إذن. فالوجه الداخلي للغيمة هو سطح آخر والسطحان يتقاربان ويبدوان سطحا واحدا لكنهما في الحقيقة منفصلان، ويحتوي الخارجي منهما الداخلي ويدور كل منهما حول النواة باتجاه معاكس لاتجاه الآخر. إذن ما هذا الذي نحن فيه؟!

هذا يا سيدي هو المدار الأول والذي يحتوي إلكترونين اثنين، لكن هذان الإلكترونان ليسا خرزتين يربطهما خيط يدور كل منهما مربوطا بهذا الخيط حول النواة، نعم ليسا كذلك.

فالالكترون إذا ما دخل في هذه المنطقة التي نسمها S1 فانه ينتشر فورا ليغطي فضاء هذه المنطقة. ينتشر كأنه غيمة وأمثل لك ذلك بانتشار قطرة ماء إذا وضعتها بين شريحتي مجهر، فإذا كان الفاصل بين الشريحتين ضئيلا جدا فسوف ترى فورا أن هذه القطرة تمتد وتنتشر فورا لتملا الفراغ بين الشريحتين. هذا هو تقريبا ما يحدث للإلكترون بمجرد حلوله في هذه المنطقة، التي يحدد خصائصها وتفاصيلها تركيب النواة ومجالها الكهربائي والمغناطيسي الممتد في المنطقة كلها.

بهذا فنحن أمام الكترون كان على شكل قطرة ماء ثم انتشر ليصبح على شكل غيمة تشبه سطح الكرة تحيط بالنواة وتتركز كثافتها على مسافة معينة منها، وهذه المسافة تعتبر نصف قطر المستوى أو “المدار” كما يحبون تسميته. أما القشرة أو السطح الخارجي فهو لإلكترون آخر يشغل نفس المنطقة لكنه ينفصل عن الأول بالفاصل الضئيل الذي رايته. ويبدو كلا منهما محيطا بالنواة على شكل كرة تشكل المستوى الإلكتروني الذي نسميه S1.

ولكن لماذا هذا الدوران المتعاكس، هذا هو ما نسميه غزل الإلكترون ويسميه البعض “البرم” حيث أن لكل إلكترون حركة مغزلية نفهمها إذا كان على شكل خرزة تدور حول نفسها ومحور دورانها الخيط الذي يخترقها. لأن أي جسم كروي يدور حول محوره، فهذا الدوران يسمى غزلا، لكن الإلكترون إذا انتشر في القشرة المحيطة بالنواة فهو يتحول إلى سطح يدور بالكامل حول محوره وهذا المحور بالتاكيد لابد أن يمر بالنواة. أما لماذا هو مضطر للدوران، فهذا سنتحدث عنه لاحقا إن شاء الله.

محمد عوض الله