هل عرفتم حقا قيمة الفيزياء

نشرت في جريدة الرأي بتاريخ 25-4-2018

لعل الكثيرين من الآباء والأمهات قد تنفسوا الصعداء عندما سمعوا قرار جعل الفيزياء مادة اختيارية في امتحان شهادة الثانوية العامة. ولعل من غير المفاجئ أن يكون بعض هؤلاء الآباء والأمهات مهندسين أو متخصصين بأحد فروع العلوم وربما بالفيزياء. نعم لم استغرب عندما سمعت بعض هؤلاء يتمنى حذف الفيزياء من امتحان التوجيهي بل وربما من المناهج كلها. فبعد أن أصبحت كلمة الفيزياء لا توحي لكثير من لعائلات وأبنائها في الأردن إلا بالتوتر والإحباط والدموع والمصاريف التي لا تنتهي، فقط ليستطيع الطالب المرور والنجاة من هذا الكابوس، لا يعود مستغربا بعدها أن يرحب الكثيرون بشطب كلمة الفيزياء حتى من قاموس التعليم، دون أي شعور بالأسف.

ولكن، مهلا يا إخوة، هل عرفتم حقا قيمة الفيزياء؟ يا من ترحبون بهذا القرار ويا من لا تكترثون له على السواء، هل تعرفون ماذا تعني الفيزياء في سلم الحضارة والتقدم منذ فجر التاريخ وحتى وقتنا الحاضر؟ هل تذكرون من الفيزياء حقا ما هو أبعد من معاناة أولادكم وبناتكم؟ هل علمتم ما قدمت الفيزياء لهم وهم يُصنعون في الجامعات كمهندسين وعلماء وخبراء بل كمحللين ماليين ورجال أعمال وخبراء ومدراء لأكبر الشركات المحلية والعالمية في مختلف المجالات؟

اسمحوا لي أن أقول لكم يا إخوة، لقد علمتم شيئا وغاب عنكم الكثير من الأشياء. ربما لم يكن هذا ذنبكم بقدر ما هو ذنب ثقافة زرعت تدريجيا في وجدان المجتمع. لكن الواقع مغاير لذلك تماما. فالفيزياء هي أسلوب تفكير متكامل يمنح من يدرسه ويتقنه قدرة كبيرة على التحليل ورؤية العلاقات والمتغيرات وتشخيص المشكلات واستخلاص المسببات وابتكار الحلول في كل المجالات ابتداء من شركات التمويل والتأمين وحتى الدراسات الديموغرافية للمدن والدول. نعم، وهذا ما لا يدركه الكثيرون في مجتمعنا لأن تخصص الفيزياء في عرفنا لا يؤدي إلا إلى وظيفة معلم مدرسة، الوظيفة التي لها كل التقدير والاحترام، ولي عودة إليها بعد قليل.

لقد فوجئت شخصيا عندما رأيت الطلب الكبير على دارسي الفيزياء في الولايات المتحدة والدول المتقدمة اقتصاديا، ليس فقط للوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا والصناعة والفضاء والأبحاث العسكرية والتقدم السريع في تكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي، إلى آخر هذه القائمة، لكن ما كان يفوق هذه المجالات طلبا على الفيزيائيين كان المجال الطبي والتأمين والبنوك والتمويل بل وفي مجالات التسويق والإعلان والخدمات المتعلقة بالأسواق الهائلة التي تعنى بدراسة سلوك ورغبات جماهير المتعاملين، ولا تستبعد أيضا التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والسكانية وسواها. ولعل المدهش أن دخل الفيزيائيين المشتغلين بهذه المجالات الأخيرة يفوق كثيرا تلك المرتبطة بالتكنولوجيا والصناعة. كما أن كلا من هذه المجالات يصنع من هذا الفيزيائي خبيرا فريدا من نوعه لا يمكن استبداله أو الاستغناء عنه، بل أنه لا يُترك ليتقاعد ويعتزل العمل لأنه يبقى إلى آخر عمره ثروة ومرجعا استشاريا له وزنه وكلمته.

ولقد كان الأردن ولا يزال، ما دامت الفيزياء تعمل عملها في عقول شبابنا، ينتج ويزود أسواق العالم أجمع بأفضل المبدعين تدريبا وكفاءة وتميزا وإبداعا. نعم، فلو نظرت إلى الخبراء في كبريات شركات وهيئات العالم من أستراليا إلى ألاسكا فلا تستغرب إذا عثرت بين كل مدينتين على أحد كبار الخبراء والمستشارين الأردنيين. ولو قمت ببحث بسيط على شبكة “لينكد إن” العالمية للكفاءات والأعمال فسوف ترى ما يدهشك من هذه الكفاءات ممن يشيد بهم رؤساؤهم ويتمسكون بهم بشدة، بل ويتمنون الحصول على المزيد منهم ومن إخوانهم من الشباب الذي يتمتع بالطموح والكفاءة كغيره من مبدعي العالم، لكنه يتفوق عليهم أيضا بأخلاقه وشهامته ونخوته والكثير من الشمائل الكريمة التي لا تصنع إلا في هذا البلد.

هذه يا إخوة نظرة فيزيائي يعشق الفيزياء ويعرف تماما ما تعني عمليا للأردن وللأمة وللعالم، فيزيائي تخرج من التوجيهي الأردني حين كانت الفيزياء تعطى وزنا أعلى من مباحث العلوم الأخرى. لكنه رأى وعاش واقعا ما قدمته له الفيزياء وما صنعت منه ومن زملائه وطلابه وأبنائه. لقد شكل أبناء الأردن وبناته حتى الآن نخبة جعلت أحدهم في دولة أخرى يقول محتجا، “يا أخي أنتم لا تأتوننا إلا مدراء”. نعم هذا ما فعلته وحدة الفيزياء ضمن خط إنتاج وصناعة عقول أبنائنا ولا تزال تفعله من إضافة عناصر الكفاءة والإبداع الحقيقي، وستبقى مستمرة بذلك حتى يأمر أحدهم أو بعضهم دون تقدير للعواقب بإيقاف عمل هذه الوحدة وبالتالي حرمان الوطن والأمة والعالم بأسره من هذا المنتج الفريد المتميز.

وعودة إلى معلم الفيزياء، الذي يصنع ويشكل ويولّف ويعاير ويخرج هذه العقول المبدعة. هذا المعلم لا يحتاج أن يحمل درجة بكالوريوس الفيزياء، يل يحتاج أكثر لدراسة أساليب تعليم الفيزياء، وربما كان هذا ما يفتقده بعض الطلبة في معلميهم مما يؤدي إلى تلك الكوابيس والتوترات والتي ينبغي أن تحل محلها الثقة والمتعة والسعادة والإبداع.

فيا أيها الآباء والأمهات الذين يرجون بالتأكيد أن يروا أبناءهم وبناتهم في أعلى مواقع الإبداع والنجاح والتفوق، دعونا في ضوء ما تقدم نرى صالح أجيالنا ووطننا وأمتنا برؤية عميقة واعية مبنية على قراءة الواقع على مستوى العالم في نظرة استشراف للمستقبل، وعندها سيكون لكم بالتأكيد رأي آخر.

د. محمد إبراهيم عوض الله