Laser
كان ( مايمان ) يعمل في مشروع ماسر في مختبرات هيوز بموجب عقد حكومي منذ 1957 ، و قد بدأ بصياغة أفكاره الخاصة عن أفضل الطرق لإنتاج الليزر خلال تلك الفترة . و قد وصف اهتمامه المبكّر بالألياف الضوئية بأنه ” تفكير أساسي ” ، و لكنّ اهتمامه بدأ يتزايد ، حتى أنه اختلف مع نظريات ( شاولو ) و( تاونز ) التي نشرت في دراستهما عام 1958. و هو يتذكرّ أنّه كان يعتقد أنّ حساباتهما تدل على أنّ ما يقترحانه لن يكون مجدياً . و بدلاً من أن تؤثر عليه دراسة ( شاولو ) و ( تاونز ) وتغيّر اتجاهه ، فقد عززت اعتقاده بأن أسلوبه البسيط قد يحقق نجاحاً أكبر. و بالرغم من أن ( مايمان ) أنجز الكثير من الدراسات النوعية لا حتمال إيجاد الليزر، إلا أنه لم يقم بأية دراسة عملية في المشروع حتى شهر آب من عام 1959، بعد أن سلّم نموذج ماسر مصغرّ كان قد أنتجه إلى فيلق الإشارات في الجيش . و بعد أقل من تسعة شهور ، أنتج أول ليزر . و يشعر ( مايمان ) أنّ الفترة الزمنية القصيرة بين المفهوم النظري و التطبيق العملي قد تكون مضللة ، فقد أهّلته خلفتيته الأكاديمية و المهنية للقيام بالمهمة ، و كانت أيضاً وسيلة للحصول على موافقة الشركة على البدء بالمشروع . ” ربما كانت خلفيتي العلمية أحد الأسباب الرئيسة التي أدّت إلى نجاحي . لقد تطلب المشروع خليطاً من الخلفيات ، و لم يكن لدى الباحثين مثل هذا الخليط حتى ذلك الوقت ، فقد تطلب البحث معرفة بالألكترونيات و الفيزياء و البصريات . و قد كان لديّ إلمام بالألكترونيات ـ فأنا حائز على الماجسير في الهندسة الألكترونية ـ و قد عملت بالألكترونيات منذ كنت طفلا ، و كنت حائزاً على الدكتوراة في الفيزياء من جامعة ستانفورد . و هذا يستلزم معرفة باستخدام أساليب البصريات . و كنت ملمّاً بالأنظمة الفرغية ـ و في الحقيقة كانت رسالة الدكتوراه التي قدمتها دراسة لأحد الغازات ـ و قد عملت في التبخير في مختبرات هيوز ، و عملت في المواد الصلبة في الماسر المصقول ، و هكذا كنت ملمّاً بالخصائص البصيرية للغازات و التبخير و المواد الصلبة ، بالأضافة للألكترونيات . و طبعاً لديّ خبرة في التجارب العملية في المواد الصلبة في المختبرات ، إضافة إلى التدريب التحليلي الذي تلقيته في مرحلة الدكتوراه ، و لهذا أعتقد أنه يمكنك القول بأنني كنت أمتلك الأدوات الملائمة ” . إنّ ما يبيّن شجاعة ( مايمان ) الإبداعية ـ و التي أسهمت في تردد الشركة في منحه الدعم المطلق ـ هو تصميمه على السباحة بعكس التيار ، فبينما كان العلماء في كل أنحاء العالم يحاولون حثّ الليزر من الغازات أحادية الذرة و الأبخرة ، كان ( ماويمان ) مؤمناً بإمكانية تضخيم الضوء بإثارة ذرات بلورة . و قد كانت البلورات المصقولة خياره الأول كمادة نشيطة في أداة بصرية ، لكنه صرف النظر عنها عندما قرأ مقابلات تحتوي قياسات تشير إلى أنها ستكون غير عملية لأغراض البصريات ، و قد قاده ذلك إلى دراسة مواد صلبة أخرى ، لكنها لم تكن عملية أيضاً . لقد عاد إلى الياقوت لأنّ خصائصه كانت تعد بالخير عدا سلبية واحدة كان قد قرأ عنها ، فقرر أن يجري قياسات مفصلة خاصة عن الياقوت ، لا لإثبات أنه مناسب بقدر ما هي محاولة لفهم أسباب هذه المشكلة ، فقد أمل أن يساعده ذلك على إيجاد بلورة أكثر فاعلية . إن الياقوت مادة فلورية لا معة تطلق وهجاً أحمر غامقاً تحت الشعاع الضوئي فوق البنفسجي ، أو ، كما اكتشف ( مايمان ) ، تحت شعاع ضوئي أخضر أو أزرق ، و أن القياسات العلمية لكمية الوهج الأحمر التي تنطلق عند تسليط الضوء على البلورة تدعى الكفاية الفلورية ( الفعالية الاشعاعية ) . و كانت مشكلة الياقوت ، حسب ما نشر هي انخفاض الأرقام التي تسجلها كفاتيه الفلورية و التي تبلغ 1 % . و في محاولة لاكتشاف كفاية الياقوت الفلورية ، قام ( مايمان ) بقياسها بنفسه ، و فوجيء عندما أشارت قياساته إلى أن الكفاية الفلورية تبلغ 70 % . و كما ( مايمان ) ، فإن هناك العديد من الأمور المثيرة للسخرية في قصة تطور الليزر ، حيث كان التقدير المغلوط الذي أقنع العديد من الفيزيائيين في كل مكان أن الياقوت مادة غير صالحة كمادة نشطة في الليزر ، واحداً منها . و قد استغرب ( مايمان ) لاكتشافه هذا الخطأ بشكل خاص ، لأنه كان يعرف كاتب التقرير. و قد كان يساعده عندما كان يدرس في ستانفورد . و قد عزز اكتشافه لهذا الخطأ اعتقاده الأصلي و جعله أكثر تخفزاً للمتابعة . و دعمته هيوز بجزء قليل من مخصصات البحث ، و لكنها نصحته بإبرام عقد حكومي إن شاء المتاعبة . و قد حاول ( مايمان ) ذلك ، لكنه لم يتلق رداً . توافق إعادة تقويم ( مايمان ) لكفاية الياقوت الفلورية مع بداية اجتماع مهم للفزيائيين في نيويورك ، مما سبب بعض المشاكل الجديد ( لمايمان ) . فقد قال ( آثر شاولو ) فيه أنه قام هو و زملاؤه في مختبرات ( بل ) بدراسة بلورة الياقوت ، و أنه وجد أنّ الخطة التي كان ( مايمان ) ينوي القيام بها غير مناسبة . و قد كان ( شاولو ) و زملاؤه يعتبرون من أفضل خبراء الليزر ، و كان حكمهم المسبق على هذه الطريقة بالفشل قد أقنع الإداراة بأن ( مايمان ) كان يعمل في شيء لا جدوى له . لذا طلبت الشركة منه أن يتوقف . لكّن ( مايمان ) دافع بحماس شديد عن نفسه ، و أصرّ أنّ ( شاولو ) هو المخطيء . ففي رأيه كان بحث ( شاولو ـ تاونز ) في الليزر بالإضافة إلى ما قاله ( شاولو ) تعبيراً عن افتقارهما للخبرة المخبرية الجيّدة ، و قد أصرّ أنّهما مخطئان في اتجاهن : أخطآ في ادعائهما أن عملية التبخير ستنجح ، و أخطآ في ادعهما بأنّ الياقوت لن ينجح ، لأن ( شاولو ) فشل في ملاحظة أن مشكلة الياقوت يمكن حلها . و قد اعتراف ( مايمان ) بأن إنتاج الليزر من الياقوت سيكون صعباً ، لكنه كان مؤمناً بإمكانية إنتاجه إذا ما توفّر التهيج المناسب . وقد تغلّب ( مايمان ) بقوة نقاشه و خبرته في تطوير الماسر ، لكنه اعتبر نجاحه إنقاذاً مؤقتاً من البلاء أكثر مما هو سماح له بالمتابعة ، و كان مدركاً بأن رؤوساه يعرفون بأن بعض العلماء المشهورين في العالم يقولون بعدم إمكانية صنع الليزر . و لكن الشركة قامت بشراء معدات له بقيمة 1500 دولار و سمحت له بالمتابعة . و قبل نهاية عامة 1959 ، صنع ( مايمان ) نموذجاً للأداة التي كان يأمل بأن يصنعها ، و كانت خطته تتخلص في أن يسلط ضوءاً على الياقوت و يجعلها تشع بشكل كثيف حتى تنتج ليزرا . و قام بحساب مقاييس مصادر الضوء اللازمة لتهييج الياقوت ، و أكّد أن الطاقة الكلية للمصدر ستكون ثانوية بالنسبة لكثافة الضوء وهي الطاقة لكل وحدة في نطاق لون معّين . حيث أن توفير مصدر ضوء كثيف سيسمح بتقليل كمية الياقوت . و قد أثار بحثه الملحّ عن مصباح مناسب بعض القلق ، و وقع اختيار تقريباً على مصباح زئبقي مقوس ، ولكنه خشي أن تكون كفايته هامشية . و ماذا إن لم تنجح التجربة ؟ هل سيسخر المعارضون منه و يوقفون المشروع كلّه ؟ لقد اختار مصدراً عاديّاً : مصدر ضوء فوتوغرافي . و أشارات دراسة المصابيح الومضية إلى أن ثلاثة منها فقط قادرة على توليد الكثافة الضوئية التي احتاجها ، و أن أصغرها ( ف ت 506 ) زينون الذي أنتجته شركة جنرال الكتريك سيكون صالحاً لأداء هذه المهمة . و قد قرر ( مايمان ) استخدام بلورة الياقوت التي تصنعها شركة لايند يدوياً ، و هي أحد فروع شركة يونيون كاربيد ، لاستخدامها في المجوهرات الاصطناعية . و قد كانت مواصفات هذه الأحجار الكريمة مطابقة لمواصفات الياقوت الطبيعي ، و ستخدم أهدافه بشكل أفضل من تلك التي ستستخرج من الأرض . و قامت يونيون كاربيد بشحن البلورات إلى هيوز كمواد خام و قام ( مايمان ) ، نتيجة إداركه لميزانيته الضئيلة ، بالإيعار إلى معامل هيوز بقطعها و صقلها . و لسوء الحظ لم يكن لدى هيوز المعدّات اللازمة لجعل البلورات مصقولة كالمرآة ، لكن ( مايمان ) تابع تصميم أداته التجريبية بما توفر لديه من أدوات . و في ربيع 1960، كان ( مايمان ) يجري تجارباً بصرية على أمواج الميكروويف كشفت عن انخفاص هام في امتصاص الميكروويف ، مشيرة بذلك إلى استنزاف جزء لا بأس به من حالة الصمود .

 

من كتاب: المبتكرون، جون ديبولد، دار البشير، 1993