يعتقد بعض الناس أن الرقم 13 رقم منحوس ولعل رحلة سفينة الفضاء الأمريكية أبوللو 13 خير دليل. حيث كانت أبوللو 13 ثالث سفينة فضاء صنعت لنقل رجال إلى القمر غير أن الأمور ساءت منذ البداية. أولا كانت ثمة مشاكل وقود محركات الصاروخ ثم انتاب الأطباء القلق من احتمال إصابة الرجال الثلاثة بالحصبة وقرروا أن أحد الرجال لا يستطيع الطيران ومن الواجب أن يستبدل برجل آخر. حدث ذلك في التاسع من نيسان / أبريل أي قبل الموعد المحدد لإطلاق سفينة الفضاء بيومين فقط إذ سبق أن حدد العلماء في قاعدة الفضاء الأمريكية في هيوستن اليوم الحادي عشر من نيسان على اعتبار أنه اليوم الوحيد الذي يكون فيه القمر والأرض في وضعهما المناسب للانطلاق فإذا لم ينطلق رواد الفضاء في هذا الموعد فإن على أبوللو 13 الانتظار حتى قرب نهاية العام ولم تكن ثمة مشاكل أخرى ومن ثم قرر العلماء إطلاق سفينة الفضاء.

اتسم اليومان الأولان بعد الانطلاق بالهدوء وبدا أن كل شيء يعمل بشكل صحيح. وفي يوم الاثنين الموافق 13 من نيسان ظهر رواد الفضاء الثلاثة على شاشة التلفزيون وتحدثوا عن رحلتهم وعرضوا على الناس ما بداخل سفينة الفضاء وشاهدهم الناس في جميع أنحاء العالم على شاشات التلفزيون ورأوا أن كل شيء يسير على ما يرام وقد عبر عن ذلك قائد الرواد قائلا: (لا توجد لدينا مشاكل إطلاقا ) بعد خمس دقائق فقط تغير كل هذا فقد سمع الرواد الثلاثة فرقعة وأحسوا بارتجاج سفينة الفضاء ثم رأوا ضوء التحذير . ولم يعرفوا حقيقة ما حدث ولكنهم أدركوا أن عطلا ما قد حدث وأبلغوا الرجال الذين يتابعون رحلتهم على الأرض بأن لديهم مشكلة وبدت المشكلة للوهلة الأولى غير خطرة وواصلت أبوللو 13 طريقها إلى القمر ولم يعرف الرواد في السفينة ولا العلماء على الأرض أن انفجارا حدث في مؤخرة سفينة الفضاء فدمر أحد خزاني الأكسجين وكان انقطاع التيار الكهربائي بادرة لأول المتاعب داخل السفينة ففي أبوللو 13 كانت ثمة ثلاثة خلايا وقود غلفانية تولد الكهرباء اللازمة للسفينة.

        

وعقب الفرقعة مباشرة توقفت خليتان عن العمل نهائيا أما الثالثة فظلت تعطي القليل من الكهرباء التي تتوقف عليها حياة الرجال. كانت أبوللو 13 في حاجة إلى الكهرباء لتظل تعمل فإذا توقفت الكهرباء توقفت أجهزة الكمبيوتر التي تدير السفينة وعندئذ لن يستطيع الرجال تحديد مواقعهم أو الاتصال بالأرض ولن يحصلوا على الأكسجين اللازم للتنفس.

 واستطاع العلماء بعد خمس وأربعين دقيقة أن يتوصلوا إلى معرفة ما حدث لسفينة الفضاء ومن ثم قرروا أن أهم شيء هو عودة الرواد إلى الأرض سالمين وكانت أبوللو 13 آنذاك تبعد عن الأرض حوالي 360000 كيلومتر و72000 كيلومتر عن القمر وكانت بذلك أبعد من أن تتمكن من أن تدور عائدة مباشرة إلى الأرض. وحتى القوة الكاملة للصاروخ الرئيسي لم تكن تكفي لعودة الرواد إلى الأرض سالمين فقد كان عليهم أن يدوروا حول القمر ثم يعودوا إلى الأرض وبذلك يصبحون في غير حاجة إلى قوة الصاروخ الرئيسي. غير أن الرحلة حول القمر قد تستغرق أربعة أيام ولم يكن المسؤولون على الأرض متأكدين من وجود ما يكفي من الكهرباء والهواء والماء للإبقاء على حياة الرواد الثلاثة طوال تلك المدة ولكن كانت ثمة بارقة أمل وحيدة هي قارب النجاة بالنسبة لهم؛ فعندما تغرق السفن في البحار فغالبا ما يكون ثمة قارب نجاة لدى البحارة لينزلوا فيه ويستخدمونه أحيانا للوصول إلى الشاطئ وفي أحيان أخرى يمكثون فيه حتى تصلهم النجدة. أما في حالة أبوللو13 فلن يأتي أحد لإنقاذهم ولم يكن أمامهم سوى أمل استخدام قارب العودة إلى الأرض.

كانت أبوللو13 في واقع الأمر عبارة عن سفينتي فضاء تختص إحداهما بالذهاب إلى القمر والعودة منه بينما تستخدم الثانية للهبوط على سطح القمر فحسب. وكانت الثانية صغيرة لأنه لم يكن من المقرر أن يستخدمها سوى اثنان فقط ولم تكن قوية بدرجة تكفي لأن تعود بمفردها إلى الأرض غير أن الكهرباء والهواء والماء كانت متوافرة بها. ومن ثم يستطيع الرواد الثلاثة العيش بداخلها لبضعة أيام.

وزحف الرجال عبر الممر الصغير الموصل بين السفينتين وبدءوا رحلة العودة الطويلة إلى الأرض وكان أمامهم وأمام المسؤولين على سطح الأرض ثلاث مشكلات تحتاج إلى حل: المشكلة الأولى هي التأكد من أن السفينة تسير بالسرعة المناسبة وتتخذ مسارها الصحيح في طريق العودة إلى الأرض أما المشكلة الثانية فكانت الاقتصاد في الكهرباء حتى يتوفر لديهم ما يكفي للساعات الأخيرة من الرحلة والتي يحتاجون فيها إلى الكثير من الكهرباء وكانت المشكلة الثالثة التأكد من توفر الهواء والماء حتى نهاية الرحلة.

وفي الصباح الباكر من يوم الثلاثاء الموافق 14 نيسان/ أبريل وبعد إحدى عشرة ساعة من حدوث الانفجار كان رواد الفضاء يبعدون عن القمر بأقل من اثني عشرة ساعة وكان عليهم أن يقدروا التوقيت لتشغيل الصواريخ. وقد حدد العلماء على الأرض وجوب تشغيل الصواريخ مساء الثلاثاء عقب دوران سفينة الفضاء حول القمر مباشرة. فلو أن هذه الصواريخ شغلت قبل التوقيت الصحيح أو بعده أو شغلت بقوة أكبر من المطلوب لابتعدت أبوللو 13 عن الأرض وانطلقت إلى الفضاء السحيق. لقد كان عليهم مراعاة الدقة في الأداء.

كانت أبوللو 13 تتجه نحو القمر بسرعة تتزايد كل ساعة. وطوال ذلك اليوم وحتى ساعة متأخرة من بعد ظهر يوم الثلاثاء كانت السفينة تتحرك بسرعة 10000 كيلومتر/الساعة وعندما دارت حول القمر اختفت الأرض عن أنظار الرواد وتمكنوا من رؤية سطح القمر عندما أصبحوا على مسافة مائتي كيلو متر منه وكان عبارة عن تلال جرداء تلمع في ضوء الشمس بلون أبيض تقطعه ظلال قاتمة. وعندما دار الرواد حول القمر شاهدوا الأرض ثانية وحينذاك أدركوا أنهم فعلا في طريق العودة.

 وكانت لا تزال أمامهم مسافة 40000 كيلو متر عليهم قطعها قبل الهبوط في المحيط الهادي ولكنهم كانوا على أي حال في طريقهم إلى الأرض. وبعد ذلك بساعتين شغلت الصواريخ وكان كل شي يعمل بانتظام فبدأ رواد الفضاء يهدأون ونالوا قسطا من النوم. وكان اليومان التاليان هادئين وقد تم تشغيل الصواريخ مرتين أخريين لإدخال تغييرات طفيفة على سرعة السفينة واتجاهها.

وكان كل تشغيل معناه العديد من ساعات العمل لرواد الفضاء وذلك لأنهم لم يستطيعوا استخدام الحاسوب للتأكد من صحة توقيت التشغيل ومدة التشغيل الصحيحة إذ لم يكن ثمة ما يكفي من الكهرباء لتشغيله وتشغيل الأجهزة الأخرى في سفينة الفضاء. وكان نقص الكهرباء المشكلة الرئيسية لرواد الفضاء وكان معنى هذا أنهم لم يستطيعوا تدفئة سفينة الفضاء وقد هبطت درجة الحرارة داخلها إلى أربع درجات مئوية. وشعر الرواد الثلاثة ببرد شديد وتعذر عليهم أن يناموا نوما عميقا مما زاد من إحساسهم بالإرهاق والبرد وبدأ القلق ينتاب الأطباء المتابعين على الأرض فهؤلاء الرجال المتعبون قد يبدأون في ارتكاب الأخطاء.

وكان مبعث قلقهم أيضا أن الرواد لم يستطيعوا شرب كفايتهم من الماء فقد تجمد أحد الخزانات ولم يرق للرواد اقتراح الأطباء بقطع مقدمة الحذاء في زي الفضاء وشرب الماء المستخدم في نظام تبريدها.

وكانت أبوللو 13 في ذلك الوقت قد اقتربت من أكثر المراحل في الرحلة خطورة فقد كانت تبعد عن الأرض مسافة 160000 كيلو متر وتسير بسرعة 6400 كيلومتر في الساعة. وكانت هذه السرعة تتزايد كل دقيقة. وقي أقل من سبع عشرة ساعة إذا ما سار كل شي سيرا صحيحا ستهبط سفينة الفضاء في مياه المحيط الهادي.

وكان على الرجال الموجودين على سطح الأرض إرسال قوائم مطولة بالتعليمات لرواد الفضاء استغرقت قراءتها عليهم ثلاث ساعات على حين عملوا على تدوينها داخل سفينة الفضاء. وحاول الرواد بعد ذلك اخذ قسط من النوم فظلوا في سكون مدة ساعتين آو ثلاث غير آن البرد كما قال أحدهم كان رهيبا ولم يكن النوم عميقا. وقبل موعد هبوطهم على سطح الماء بعشر ساعات تزايدت سرعة سفينة الفضاء وأصبحت حوالي 10000 كيلو متر في الساعة وكانت حينذاك على بعد يقل عن 100000 كيلو متر.

وكان على الرواد في الساعات الخمس التالية العودة من سفينة القمر إلى السفينة الرئيسية ثم تنفصل سفينة القمر عن السفينة الرئيسية التي ستعود بمفردها إلى الأرض و كان للسفينة الريئسية فقط درع حراري يحميها ويحمي من بداخلها من الرواد. وعاد الرجال الثلاثة إلى السفينة الريئسية ثم أداروا الكمبيوتر الذي كان يعمل بصورة طبيعية. وبدأوا فورا في العمل وفق قائمة التعليمات، وأولها فصل الصاروخ الرئيسي عن سفينة الفضاء.

وبينما كان الصاروخ يدور بعيدا في الفضاء شاهد الرواد الشق الطويل في جانبه وبداخله الأسلاك المتقطعة والأجزاء المعدنية الملتوية. وعندئذ تحققوا مما أحدثه الانفجار من تلف جسيم، ووصفوا ما شاهدوه للرجال المتابعين على سطح الأرض الذي كان قريبا جدا منهم. وبدأ العلماء يقلقون على الدرع الحراري فإذا كان التلف قد أصابه بأي شكل فلن يستطيع أن يحمي سفينة الفضاء أو الرواد من الحرارة الشديدة خلال عودتهم إلى الأرض. بيد أنه لم يكن ثمة ما يستطيع أحد أن يعمله حيال ذلك لذا استمروا في اتخاذ الاستعدادات. وكانت الخطوة التالية فصل سفينة القمر عن السفينة الرئيسية فقد كانت سفينة القمر قارب النجاة بالنسبة لرواد الفضاء لمدة ثلاثة أيام تقريبا ولولاها للقوا حتفهم جميعا في الفضاء .

غير أنه لم يكن في استطاعتهم إعادتها معهم كما أن الأرض أصبحت على مسافة يمكن قطعها في أقل من ساعة وتحركت السفينة بالرواد حول الأرض في منحنى طويل يهبط بهم في المحيط الهادي. لم يتبين الرواد إلا جزءا ضئيلا من الأرض تحتهم لأن الوقت كان ليلا ولكنهم أدركوا أنهم قريبون من الأرض. وعندما اصطدموا بطبقة الهواء الرقيقة التي تبعد 12 كيلومترا عن الأرض بدأ الدرع الحراري يتوهج بلون خليط من القرمزي والأرجواني ثم تغير إلى اللون الأحمر.

وأحاط اللهب بالسفينة وحال دون أن يرى الرواد ما يدور بالخارج أو يتصلوا لاسلكيا. وانقطعت صلتهم بالأرض لمدة ثلاث دقائق. ولبث العلماء على الأرض قلقين فقد مرت الدقائق الثلاث ثم دقيقة أخرى دون سماع أي صوت من الرواد ثم مرت ثلاثون ثانية بعد ذلك وانتاب القلق واليأس جميع الرجال على سطح الأرض. فهل حدث خطأ ما في هذه الدقائق الأخيرة؟ ومرت خمس عشرة ثانية أخرى رهيبة. ثم جاء نداء سفينة الفضاء “الرجال سالمون” وفتحت فوقهم مظللة صغيرة ثم أخرى أكبر منها وبدأت سرعة سفينة الفضاء تقل تدريجيا وبعد ظهر يوم الجمعة الموافق 17 من إبريل بدقائق قليلة هبطت بأمان على سطح الماء. لقد أنقذت شجاعة رواد الفضاء ومهارة الرجال على الأرض سفينة الفضاء التي بدت في حكم المفقودة وأمكن التغلب على سوء حظ أبوللو 13.