.. ومضى بنا الترحال في أرجاء الزمان والمكان حتى عثرت ذات يوم على رجل في خريف العمر، تعرفت عليه خلال زيارتي لإحدى أرجاء المعمورة. وقد تعرفت اليه عن قرب بسبب إقامتي الطويلة نسبياً في تلك الديار .. وعندما حدثته عن أسفاري وجولاتي في المكان والزمان وشكوت له قيد البعد المكاني الذي نعيش فيه وأنني لا أستطيع استطلاع الابعاد الكبيرة أو الصغيرة في الكون، نظر إلي نظرة فيها نوع من الفراسة، ثم سألني بنبرة شك:
ـ ولماذا تريد أن تجول في الأبعاد الأخرى؟
قلت:
ـ لأن هذا عالم لا يزال تحت ستار المجهول ولم نعرف عنه سوى بالتجارب المخبرية والحسابات النظرية. لكن هذه أيضاً محدودة ولا تخبرنا بالقطع عما يجول في تلك العوالم.. وأنا كما تعلم رجل لايهوى شيئاً سوى الترحال في رحاب الطبيعة وتتبع نواميس الله في هذا الكون معتمداً على ماتعلمته من علم الفيزياء لأنقل للبشرية نظرة عين مباشرة على العوالم التي طالما اعتبرها الكثيرون غير موجودة.
وأطرق الرجل المسن قليلاً إلى الأرض، ثم قال:
ـ حسناً، أعتقد أن بإمكاني مساعدتك أو على الأقل السعي لمساعدتك .. وأردف وهو ينظر في عيني اللتين ملأتهما إمارات الفضول والدهشة:
ـ تعال إلي غداً في الثامنة صباحاً .. وسوف نذهب إلى من أرجو أن يساعدك في تحقيق هذه التطلعات..
شكرت الرجل وغادرته وأنا لا أكاد أفهم شيئاً مما قال .. لكن النظرة العميقة التي كان يرمقني بها والهيئة التي أنخذتها قسمات وجهه جعلتني اتهيب من مناقشته او حتى استيضاح المزيد منه فلذت بالصمت ولم يكن لي أن أسلك أمامه سوى كطفل مطيع امام مجرب قدير أكن له كل هيبة وتقدير.
لم أستطع النوم تلك الليلة إلا لماماً وأنا أفكر فيما قاله الرجل وما عسى أن يكون الأمر عليه في صباح الغد. وفي تمام الساعة الثامنة كنت أطرق باب الرجل، وماهي الا هنيهة حتى كنا في طريقنا إلى حيث لا أدري .. فقد اكتفى الرجل بأن استقبلني بابتسامة عريضة أدخلت شعوراً جميلاً من الراحة إلى نفسي، كان يلبس ثياباً أنيفة أوحت إلي بأننا في طريقنا إلى شخص مهم. وخطر لي أن أسأله لكنني خشيت إظهار شيء من الفضول في ضوء مالمسته من صرامة الرجل بالأمس فآثرت الصمت والانتظار حتى تكشف الحقيقة عن ذاتها. وماهي إلا خطوات حتى توقفنا في محطة القطارات وبعد ربع ساعة كنا نستقل قطاراً ينطلق إلى الشمال بسرعة كبيرة جداً. ولم استطع معرفة المدينة أو المكان الذي نذهب إليه، لكنني وبناء على ما تعودت من الترحال كنت أعتبر الموضوع كله ممتعاً وإن كان الفضول يتملكني وربما بدا على وجهي كلما مررنا بمنطقة أو كلما توقف القطار في محطة. وفجأة، وبعد مرور حوالي أربع ساعات على انطلاقنا، وجدت الرجل يسألني:
ـ هل تعجبك الرحلة؟ فحاولت رسم ابتسامة على شفتي وأنا أجيبه:
نعم، كثيراً …
ـ لعلك تتسأءل .. إلى أين نمضي ..
ـ في الحقيقة، نعم ..
ـ حسناً، إننا ذاهبون إلى رجل فريد من نوعه .. له قدرات عجيبة، وربما كانت لديه طريقة لمساعدتك.
فقلت وقد زاد فضولي:
ـ ولكن ماهي طبيعة هذه القدرات العجيبة.
ـ لا ادري بالضبط ولكن الذي سمعته عنه أنه يقوم بأعمال خارقة، ويقال أنه من العلماء الصالحين وأنه يسلك نهج الرجل الذي ورد ذكره في القرآن الكريم في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام حين طلب من جلسائه أن بأتوه بعرش ملكة سبأ، ” قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آيتك به قبل أن يرتد اليك طرفك”.
ـ ذلك مثير حقاً، ولكن هل سمعت مثالا على بعض هذه الأعمال؟
ـ ذكر عنه ذات مرة أنه سافر إلى الهند وعاد خلال ساعة واحدة، وهذه رحلة تستغرق بالطائرة مالايقل عن عشر ساعات ..
ـ وكيف تأكدوا من ذهابه الى الهند؟‍
ـ لقد هاتف بعضهم أحد الناس الذي ذكر الرجل أنه زاره في الهند وقد أكد فعلاً أنه كان عنده في يوم كذا في ساعة كذا..
ولذت بالصمت وقد خالجني شعور بأن الرجل ربما يكون محتالاً، وربما قرأ الرجل شيئاً من ذلك في وجهي لكنه آثر أن يترك لي استكشاف حقيقة ما يقال عن الرجل. ونزلنا في المحطة التالية واستقلينا سيارة أجرة إلى حي ريفي هاديء وتوقفنا أمام منزل متواضع لكنه جميل، تحيط به شجيرات مزهرة وتتوسط ساحته الأمامية شجرة توت عالية يعمر ظلها الطريق المؤدي إلى مدخل البيت. قرع مرافقي الجرس وانتظرنا برهة قبل أن يفتح الباب رجل مسن لكنه يتمتع بقدر من الرشاقة والخفة. بادره مرافقي بطرح السلام، فرد الرجل على الفور وعلكيم السلام ورحمة الله وبركاته. ونظر إلينا نظرة فاحصة ظهر لي من خلالها أنه لا يعرف مرافقي، لكنه أردف وهو يتبسم ابتسامة عريضة وبصوت فيه نبرة من الحرارة والصدق:
ـ أهلاً وسهلاً، تفضلا بالدخول .. فسأله مرافقي بأدب وتهيب:
ـ هل هذا بيت العم برهان !!. ـ نعم نعم ، لقد وصلت .. أهلاً وسهلاً ..

د. محمد عوض الله



 

2 Comments