ودخلنا البيت وسط كلمات الترحيب والحفاوة .. وسرنا خلف مضيفنا الذي يبدو أنه هو العم برهان ..
ودخلنا إلى غرفة الاستقبال حيث غاب عنا العم برهان ثوان معدودات في الداخل قبل أن يعود وفي يده دلة القهوة العربية .. وقال وهو يناول الفنجان إلى مرافقي:
ـ اهلاً وسهلاً ، لعل رحلتكم لم تكن طويلة .. فأجاب مرافقي ..
ـ الحمد لله، يسرها الله علينا، لقد جئناك ياعم برهان من مدينة الجداول ..
ـ آه .. إنها لرحلة، أرجو أن تأخذا قسطاً من الراحة، واعتبرا البيت بيتكما، وبعد الصلاة والغداء نتكلم إن شاء الله .. كانت هناك مرافق ملحقة بغرفة الاستقبال وقد توضأنا وتجهزنا للصلاة حيث ما لبث أن أذن لصلاة الظهر .. وذهبنا برفقة مضيفنا الى المسجد الذي لا يبعد كثيراً عن البيت، وما أن عدنا حتى كان الغداء جاهزاً. وبعد غداء بسيط لكنه متقن الإعداد شاركنا فيه ابنا العم برهان وهما محمد وعمار، الذين قاما بتجهيز المائدة وقاما على خدمتنا، جلسنا نحن الثلاثة بعد انسحاب الشابين. وبدأ مرافقي بالحديث موجهاً كلامه الى الشيخ برهان:
ـ أنا ياعمي الشيخ برهان رجل من أهل مدينة الجداول، اسمي محمود النجار وأكنى بأبي عثمان وهذا صديقي فارس الفرزدقي، رجل قدم إلينا من بلاد الله الواسعة منذ حوالي الشهرين، وهو رجل كثير السفر والترحال في المكان والزمان، متخصص في علم الفيزياء يبحث في ملكوت الله ويتتبع سنن الله تعالى في هذا الكون، ونظر إلي العم برهان نظرة فاحصة، وعاد يتابع حديث أبي عثمان.
ـ وقد أخبرني أخي فارس أنه يتوق إلى السفر في سلم الأبعاد الدقيقة والكبيرة، وهو ما اعتقدت أن اللجوء إليك فيه ربما يكون أمراَ حكيماً.
وصمت العم برهان مطرقاً إلى الأرض لحظات خلتها دهراً، ثم رفع رأسه إلي وسألني بنبرة متأنية وبأسلوب يجلله قدر من الود والرفق:
ـ وماهو مبتغاك يابني من هذه الرحلات؟
واعتدلت في جلستي ثم أخذت نفساً عميقاً وقلت:
ـ إنني ياعم أتمثل قول الله تعالى ” قل سيروا في الأرض فا نظروا كيف بدأ الخلق ” . وقد درست علم الفيزياء وحصلت فيه على درجة الماجستير، وأنا منذ أن وعيت ما حولي أحاول استكشاف الأشياء ودراسة كنهها وخصائصها وهذا ما قادني إلى أقطار الأرض في رحلاتي لطلب العلم وهذا ما حلق بي في بعض أرجاء الكون من خلال التلسكوبات وفي بعض زوايا الأشياء من خلال المجهر .. لكن وصف ما بعد هذا كله لم يتجاوز أن يكون وصفاً يوظف المخيلة لتخيل حقيقة الموجودات، أما اليقين فلا يأتي إلا من راي العين، ونحن كائنات حبيسة الأبعاد التي تعيش فيها. ثلاثة أبعاد مكانية وبعد زماني واحد وفي هذه الأبعاد ايضاً نحن مقصورون على درجة واحدة من سلم القياس الممتد من الصفر إلى اللانهاية وهذه الدرجة هي التي تقابل المتر والثانية والكليلوغرام. وغاية ما أتمناه هو أن أتمكن من الهبوط في هذا السلم لأرى ما دون المتر والسنتيمتر هبوطاً إلى الذرة لأراها وما دونها رأي العين .. وأن أصعد من جهة أخرى في هذا السلم لأرى المجموعات النجمية والكواكب والمجرات كما هي عن قرب .. وقد أفضيت بمكنون صدري هذا للعم أبي عثمان الذي جاء بي مشكوراً إلى هذا البيت الكريم.
كان كل من العم برهان والعم أبو عثمان يصغيان بانتباه .. حتى إذا انتهيت من كلامي، وبعد لحظة صمت قصيرة، تحرك العم برهان في مجلسه وقال ..
ـ أهلاً وسهلاً بكما وعلى الرحب والسعة .. ولكن الأمر الذي تطلب ليس بالأمر اليسير يابني . لقد خلقنا الله سبحانه في أحسن تقويم، وإذا ما رغبنا بالخروج من هذا التقويم فربما كان في ذلك تمرداً على إرادة الله وانكاراً لنعمته علينا!!
فأجبت بهدوء ونببرة اجتهدت أن تكون مسالمة :
ـ لكن الذي أرجوه من وراء ذلك هو الكشف عن بديع صنع الله تعالى وتبصير الناس بعظيم قدرته تعالى ودقة خلقه، وعلى كل حال فكل ما أرجوه هو زيارة لهذه العوالم لأنقل ما أصيبه فيها من علم إلى الناس لعلهم يزيدادون إيماناً بالله وإعجاباً وإقراراً بإعجاز الخلق في الصغير والكبير مما يبصرون وما لايبصرون .
ـ حسناً يابني ، لقد فهمت ما ترمي إليه، وأرجو أن يعينني الله تعالى على أجد لك ما يساعدك على تحقيق هذا المسعى . لكن ذلك يتطلب منك قدراً من التعب والجهد ..
ـ أنا على أتم الاستعداد لبذل مايلزم من الجهد ومنذ هذه اللحظة .
ـ لا باس عليك يابني .. ولكن دعنا نهئي أنفسنا أولاً قبل أن نبدأ .. وأنت يا أبا عثمان ، هل تحب أن تشارك فارس في هذه الجهود؟ فا جاب أبو عثمان وهو يبتسم ..
ـ أما أنا فحسبي من الرحلة هذا القدر، ولولا أن لدي أولاداً وأعمالاً في مدينة الجداول لكان يسرني البقاء معكم، أما ما أملكه لكم فهو الدعاء بالتوفيق، وأرجو أن تأذن لي يا أبا محمد بالمضي إلى أهلي قبل أن ينصرم النهار ..
ـ على رسلك يا أبا عثمان .. فهذه الليلة أنت ضيفي وفي الصباح إن شاء الله تتوجه إلى أهلك .. وها هو الهاتف فطمئن أهلك بوجودك هنا وأخبرهم بمبيتك ..
وهكذا قضينا الليلة في ضيافة العم أبي محمد وغادرنا العم أبو عثمان في الصباح أما أنا فقد بدأت مرحلة إعداد استمرت ثلاثة أشهر رافقني خلالها العم برهان وأحياناً أحد أولاده، وكانت الفترة في معظمها تتركز على الصلة بالله تعالى ودراسة عميقة في القرآن يتخللها ربط بآيات الله من حولنا وكان من ضمنها أيضاً خروج إلى الطبيعة وجلسات تأمل وتفكر ليليلة ونهارية استمر بعضها أسبوعاً متواصلاً كنت أقضيه دونما مقاطعة في منطقة هادئة وادعة في أطراف ضيعة العم برهان وكنت أحس خلال هذه الجلسات وأنا أتصفح ملكوت السماء في صمت وخشوع بعظمة الخالق سبحانه وتعالى. وبعظيم قدرته وإبداع خلقه ودقة صنعه.
كان الهدف الأول من هذه الجلسات هو تصفية الروح والقلب من كل ما قد يكون علق بهما من زخرف الدنيا خلال الحياة اليومية وهمومها والإحساس بالقرب من الله تعالى من خلال التسبيح والدعاء. وقد خلت نفسي في نهاية هذه الفترة كأنما ولدت من جديد .. وبعد عصر أحد الأيام دعاني العم برهان وجلسنا على انفراد فبدأ حديثه قائلاً :
ـ أعتقد يا بني أنك الآن مؤهل للقيام بالرحلات التي اعتزمت، لذلك أرجو منك أن تضع تصوراً لرحلتك هذه وأن توافيني في صباح الغد بوصف عام لما تعتزم، لنضع معاً خطة لتنفيذه وأرجو الله يكتب لنا التوفيق .. اذهب يابني لعملك وأراك إن شاء الله في صباح الغد.
ـ باذن الله ياعمي.
وقمت من عنده إلى غرفتي فرحاً وأنا أردد بيني وبين نفسي .. والآن إلى العمل.
 د. محمد عوض الله