خرجت إلى السوق المجاور واتجهت إلى أول بقالة وسألته إن كان لديه ملح خشن. فاستغرب البائع وقال لي:
– يا أخي، في الغالب يطلب الناس ملحاً ناعماً وكلما كان أنعم كلما كان أكثر مبيعا.
فقلت له وأنا أبتسم:
– أما أنا فلا ينفعني إلا الملح الخشن الذي يمكنك أن تحصي بلوراته واحدة بعد الأخرى وليس ذلك المسحوق الذي لا تعلم إن كان فيه من الشوائب أو الرمل ما فيه.
اعتذر الرجل وطلبت منه نصيحة أين أجد ملحاً خشناً فنصحني بأن أذهب إلى المطحنة وهي تقع في الطرف الشمالي من المدينة:
– وهناك أطلب منهم تفصيل البلورة التي تريد ، قال الرجل مازحاً .
فشكرته ومضيت إلى محطة الباصات، وبعد نصف ساعة كنت أدخل مطحنة الملاح لطحن الملح والتوابل.. كانت هناك كتل من الملح كأنها الصخور وكان الرجال يكسرونها إلى قطع صغيرة ثم يدخلونها إلى المطحنة فتخرج مسحوقاً ناعماً أبيض في أكياس أنيقة مطبوع عليها بخط جميل اسم المطحنة والمعلومات الأخرى . وبعد أن حييت الرجال طلبت منهم بلورة ملح طعام .. استغرب الرجل الذي كنت أكلمه لكنه ذهب وعاد وفي يده قطعة ملح على شكل حجر مشوه نتيجة التكسير .. قلت له:
– لكن هذه ليست بلورة فنظر إلي الرجل نظرة متشككة وهم بأن ينصرف لكنني ابتسمت له وقلت بهدوء :
– أقصد أن هذا الملح قدتم تكسيره بشكل عشوائي .. وأردفت موضحاً : إن هذه القطعة تتكون من بلورات يمكن الحصول عليها ببعض المعالجة ، دعني أريك .. وأمسكت قطعة الملح ونظرت فيها ابحث عن مكسر ثم أخذت مطرقة كانت على الطاولة وطرقت برفق على خط المكسر فانكسرت كسراً مستوياً وكان السطح الذي حصلت عليه مستوياً أملس .. نظر الرجل إلي بدهشة ، ثم بحثت عن المكسر الآخر وطرقت عليه. وازدادت دهشة الرجل حتى قمت بإخراج بلورة مكعبة الشكل طول ضلعها حوالي السنتيمتر من الملح الذي كان بين يدي وكانت هذه البلورة نقية إلى حد أن بالإمكان رؤية ما خلفها فهي كالزجاج بينما كان شكل الحجر أبيض كالحاً. ونظر إلى الرجل مستفهماً ، فشرحت له الأمر بكلمات حاولت أن تكون بسيطة قلت له :
– يتكون ملح الطعام من عنصرين هما الكلور والصوديوم اللذان يكونان مركب كلوريد الصوديوم وهذا المركب يبنى على شكل خلية بلورية تتكون من هيكل مكعب توضع على كل راس من رؤوسه ذرة كلور أو ذرة صوديوم، وتأخذ هذه الذرات ترتيباً دقيقاً فلو أخذت خطاً في البلورة فستجد ذرة كلور تليها ذرة صوديوم ثم كلور وهكذا. وإذا أخذت مكعباً واحداً من مكعبات بنية البلورة ووضعته على الطاولة أمامك فستجد على رؤوس السطح العلوي المربع ذرتا صوديوم وذرتا كلور. تتقابل ذرتا الصوديوم قطرياً وكذلك ذرتا الكلور. أما المربع السفلي فيحوي أيضا ذرتا كلور وذرتا صوديوم لكنهما تقعان بحيث تخالف كل ذرة ما فوقها في المربع العلوي . وهكذا تتكرر هذه البنية لتكون هذه البلورة الكبيرة للملح التي أمسكها أمامك وهذا هو سبب سهولة كسر السطوح الموازية للمكعب لتخرج هذه البلورة مماثلة تماماً للخلية البلورية الصغرى .
نظرت في وجه الرجل مستطلعاً بعد كل هذا الشرح ، فوجدته يبتسم ويقول لي :
– هل وجدت بغيتك في هذه البلورة ، قلت له نعم ، قال : إذن حلال عليك، فهي هدية مني.

ولم أجد ما أقوله إزاء ابتسامته التي تنم عن أنه في عالم لا علاقة له بكل ما ورد في محاضرتي السابقة. فبادلته الابتسامة وشكرته بعمق واستدرت إلى حيث الباب وخطوت بهدوء تشيعني نظرة الرجل المؤطرة بنفس الابتسامة ويودعني الصرير المستمر لتروس المطحنة، وعندما صافحني نسيم الغسق في فناء المطحنة أحسست أن من الجميل أحيانا ترك بعض الناس يعيشون في عالمهم الذي صنعوه لأنفسهم عاماً بعد عام ما داموا يشعرون أنهم يعطون الحياة كل إمكاناتهم بصدق وإخلاص.

عدت إلى غرفتي وبيدي لفافة ورقية كانت تستقر بداخلها بلورة من ملح الطعام مكعبة الشكل طول ضلعها 2سم. ووضعت البلورة أمامي على المكتب ورحت أتأملها … لا يبدو سطحها مصقولاً تماماً مع أنه مستو إلى درجة كبيرة جداً . وإذن فسوف أسبح في رحاب ملكوت الله داخل هذه البلورة إن شاء الله.

الحلقة الثالثة  |     الحلقة الخامسة

 د. محمد عوض الله