في ختام الفصل الدراسي الثاني ومع انتهاء الامتحانات، يجد معظم الطلبة أنفسهم في حل من بذل الجهد والدراسة والتحديق في الكتب والدفاتر. ونرى الكثير منهم يلتمس كل وسائل الراحة والاسترخاء، ويتسمر أمام شاشات الفضائيات متابعة لمباريات كأس العالم وأمور أخرى، أو يقضي معظم وقته أمام الحاسوب متنقلا من هذه اللعبة إلى تلك، أو متصفحا هذا الموقع أو ذاك مما لا يتطلب إعمالا للعقل أو تفكير عميق أو يحتاج إلى تدبر واستقصاء. وكأن لسان حاله (ومقاله أحيانا) يقول: لقد تعب دماغي وأريد أن أريحه!!.

ولعل علينا التماس العذر للكثيرين منهم الذين يتم التعامل معهم طوال الفصل الدراسي على أنهم آلات للحفظ والتخزين. ويتوقع منهم حشر كل ما يطلب منهم من معلومات دون الأخذ بعين الاعتبار كونها غثة أو سمينة، ولا الالتفات إلى مبرر خزنها في تلافيف الدماغ إذا كانت مما لا يحتاجها باستمرار ويمكن الحصول عليها بأسهل الطرق. إن تحويل الدماغ الذي هو أداة للتفكير إلى مخزن للمعلومات فقط هو أشبه بإيقاف مصنع منتج عن العمل وتحويله إلى مخزن للبضائع المستوردة.

أن الإمعان في تضخيم ما يدرس الطالب من محتوى يأتي اللياقة العقلية التي يفترض أن نعمل على زيادتها لدى الطالب يوما بعد يوم. وهذه اللياقة العقلية لا تختلف كثيرا عن اللياقة الجسمية. ومن أبرز مظاهرها النشاط والمرونة والسرعة والقدرة على الانتقال والتحرك بحرية وانسياب. ولا شك أن هذه اللياقة تتناسب طرديا مع خفة الوزن وتقل مع زيادة مقدار الحمل الذي يثقل الأكتاف. فهل نرى هذه اللياقة العقلية تتزايد لدى طلبتنا وأبنائنا أم تتناقص مع مرور السنوات والارتقاء في الصفوف الدراسية!!.

وكما أن الرياضة البدنية تزيد اللياقة البدنية، فالرياضة العقلية تزيد اللياقة العقلية لدى من يمارسها. لكن ممارسة الرياضة العقلية كما الرياضة البدنية تقتضي التخفف مما لا ضرورة له من الأحمال وممارسة تمارين المرونة بما يتوفر في الدماغ ابتداء. ثم يبدأ بعد ذلك تدريجيا إضافة المعلومات (الأثقال) البسيطة للتمارين دون تسرع، وبشكل مدروس ومتدرج حسب تطور قدرة العقل ولياقته، مع الملاحظة الدقيقة للمدى الذي يتحمله هذا العقل في كل مرحلة.

فيا أيها القائمون على تأليف وصياغة المناهج للمراحل المبكرة ويا أيها القائمون على تدريسها، رفقا بالعقول الغضة الطرية وحذار ‏من إصابتها بالتقلص والتشنج كما حدث للمراحل التي سبقتها نتيجة إهالة المعلومات وحشرها فيها دون حساب.‏