يخيل إلي أن الفيزيائيين التجريبيين يجب أن ينظروا بإعجاب إلى رجال مثل كامرلنج أونز، الفائز بجائزة نوبل للفيزياء عام 1913، لأبحاثه حول خواص المادة عند درجات الحرارة المنخفضة التي قادت إلى إنتاج الهيليوم السائل. والذي كشف بالتالي حقلا جديدا من للأبحاث هو فيزياء درجات الحرارة المنخفضة. ذلك الحقل الذي يبدو وكأنه بلا قاع، حيث يمكن للمرء فيه أن يهبط ويهبط دون توقف. فمثل هذا الرجل هو قائد، ولديه نوع من الولع الدائم بالمغامرة العلمية. ومثل بيرسي بريدجمان الذي فتح بتصميمه طريقة للحصول على ضغوط مرتفعة، حقلا جديدا آخر، وتمكن من دخوله وهو يقودنا عبره جميعا. وسجل تطوير التفريغ والحصول على قدر أكبر منه تقدما مطردا من النوع نفسه.

وأود أن أصف حقلا لا يزال العمل فيه محدودا مع أن فيه الكثير مما يمكن عمله من حيث المبدأ. ولا يشبه هذا الحقل كثيرا الحقول السابقة، حيث أنه لا يعلمنا الكثير عن أساسيات الفيزياء من قبيل ” ما هي الجسيمات الغريبة؟ “، لكنه أشبه بفيزياء الحالة الصلبة من حيث أنه يخبرنا أكثر حول ما يهمنا من الظواهر الغريبة التي تحدث في الظروف المعقدة. وعلاوة على ذلك فسوف يكون له عدا لا بأس به من التطبيقات التقنية.

ما أريد التحدث عنه هو مسألة التشكيل والتحكم في الأشياء متناهية الصغر. وحالما أذكر هذا، يخبرني الناس عن إبداعات التصغير. وإلى أي حد تقدمت هذه الأيام. يخبرونني عن المحركات الكهربائية التي لها حجم إبرة على إصبعك الصغير. وأن هناك جهازا في السوق يمكنك به كتابة كل الأدعية على رأس قلم. ولكن هذا ليس بشيء، وهو أمر بدائي جدا مقارنة بما أريد مناقشته هنا. إن العالم السفلي ( عالم الذرات والجزيئات) لصغير جدا. وعندما يتذكر الناس في عام 2000 هذه المرحلة، سيستغربون لماذا استغرق حتى العام 1960 ليبدأ أحد بالتحرك الجاد في هذا الاتجاه.

وبناء عليه، لماذا لا يمكننا كتابة المجلدات الأربعة والعشرين للموسوعة البريطانية على رأس قلم؟؟ دعونا نرى ما يتطلبه ذلك. إن قطر رأس قلم الحبر هو 1.6ملم. وإذا كبرته بمقدار 25 ألف مرة، فإن مساحة رأس القلم سوف تساوي مساحة جميع صفحات الموسوعة البريطانية. لذا فكل ما يلزم هو تصغير حجم كل ما كتب في الموسوعة بمقدار 25000مرة. فهل هذا ممكن؟؟

إن قدرة التمييز للعين هي 0.2 ملم، وهذا تقريبا قطر إحدى النقط الصغيرة في إحدى طبعات القطع الصغير من الموسوعة. وهذه عند تصغيرها بمقدار 25ألف مرة تملك قطرا مقداره 80 أنجستروم. أي ما يعادل 32 ذرة من ذرات معدن عادي. وبعبارة أخرى، لا زال بإمكان هذه النقطة أن تستوعب في مساحتها حوالي ألف ذرة. لذا فكل نقطة من هذه النقاط يمكن تعديل حجمها بسهولة بناء على رغبة فني الكليشيهات في المطبعة. ولا ريب أن هناك متسعا على رأس القلم لوضع كل الموسوعة البريطانية. وما دامت الموسوعة قد كتبت فيمكن بالتأكيد أن تقرأ.

دعونا نتخيل أنها كتبت بحروف نافرة معدنية، حيث يمثل الأسود في الموسوعة ببروز في المعدن حجمه يوازي 1/2500 من حجمه العادي، فكيف يمكننا قراءته ؟؟

إذا كان لدينا شيء مكتوب بهذه الطريقة فيمكننا قراءته باستخدام طرق شائعة الاستخدام في أيامنا هذه ( وبلا شك فسوف تستحدث طرق أفضل لقراءتها إذا ما تمت كتابتها، ولكن لأكون متحفظا، أفضل التعرض للوسائل المعروفة اليوم فقط). سوف نضغط المعدن في مادة بلاستيكية ونصنع منها قالبا. ثم نسحب البلاستيك بحذر شديد، ونبخر السليكا بداخل حفر البلاستيك للحصول على غشاء رقيق. ثم نظلله بتبخير الذهب بزاوية ميلان عن سطح السليكا، بحيث تظهر الأحرف بشكل واضح. بعد ذلك نذيب البلاستيك عن غشاء السليكا وننظر من خلاله باستخدام مجهر إلكتروني.

ولا شك اليوم أنه إذا تم تصغير شيء بمقدار 2500 مرة وهو بشكل أحرف نافرة على رأس قلم فإنه سيكون من السهل قراءته. بل أنه لاشك أننا لن نجد صعوبة في عمل نسخ عن النسخة

الأصلية، فكل ما نحتاجه هو الضغط بنفس الصفيحة المعدنية مرة أخرى على البلاستيك وسوف نحصل على نسخة أخرى.

ريتشارد فاينمان