يدرّس نوربرت فينستر الصف السادس في مدرسة منذ عشر سنوات، وتحتوي غرفة صفه على تجهيزات مدارس حديثة ومكتبة أفلام فيديو مليئة بالأشرطة ومختبر لغات وجهاز عرض معتم. ورفوف هذه الغرفة مليئة بنسخ متعددة من الكتب، ليس فقط سلسله واحدة ولكن عدة سلاسل في الأدب اللغوي.

الدراسات الاجتماعية والعلوم وإذا أحصيت الإصدارات التي نشرت من سلاسل برمجيات الحاسوب فسوف تجد أن نوربرت فينستر يمتلكها كلها بالإضافة للأجهزة المختلفة اللازمة. لكن الزائر لغرفه صفه يلاحظ فورا عدم وجود أي من أعمال الطلبة بين المعروضات، وبنظرة أكثر إمعانا يفتقد الزائر أية إشارة لكتابات أو مشاريع للطلبة من أي نوع.

وإذا كان الطلبة يقومون بأي نشاط أو يقدمون شرحا فليس هناك ما يدل على تفاعل الطلبة في هذا النشاط. وفي الفترة الصباحية التي تستمر ثلاث ساعات ينقضي معظم الوقت في نشاطات يؤديها أو يسيطر عليها المعلم وتعطى حصة النشاط اللغوي مدتها ساعة واحدة، بأن يطلب من كل طالب أن يعطي الإجابة الصحيحة لسؤال من واجب بيتي مكون من أربعين سؤالا تتعلق بالتركيب اللغوي والقواعد. ولا يتكلم الطلبة إلا إذا طلب إليهم ذلك فيما يستهلك الطالب معظم الوقت في انتظار دوره في الكلام.

إن هذا هو نشاط لغوي يحصل فيه المعلم شخصيا على النصيب الأكبر من التدريب اللغوي، وخلال الفترة الصباحية تأخذ النشاطات مجراها من المعلم موجهه إلى كل التلاميذ وعندما يقرع الجرس للانصراف فقط، تنفجر الغرفة بالتصرفات الهائجة وبالتدافع عبر الباب نحو ساحة المدرسة.

لا يوجد في تعليم فرنيستر سوى القليل من الاعتبار للفروق الفردية في نمط العلم أو تقدم الطلبة ولا تحظى الاهتمامات الشخصية أو الهوايات إلا بالقليل من العناية إذا كان المنهاج هو ركيزة الحياة في الصف فان الحياة هنا ذابلة جافه وعديمة الحيوية.

في هذه الأثناء وفي الجانب الآخر من البلدة يضج (معرض التعلم) بالحيوية والنشاط، إنه غرفة صف محوسبة مخصصه للاستخدام الفردي ليستقبل كل الطلبة ومن جميع الأعمار ويزود كلا منهم بجهاز حاسوب لوقت غير محدد بهدف التقوية والإثراء في مجالات وموضوعات محددة مثل مهارات القراءة ومهارات الحساب الأساسية والهندسة اللغوية ومهارات الكتابة والجبر وما شابه ذلك.

ويفتح معرض التعلم هذا من الساعة الثامنة إلى الساعة الحادية عشرة مساء وهناك خطط لفتح بعض الفروع في الأحياء المجاورة. ويقول الإعلان الذين يوجهونه للطلبه النشيطين:

أنت الذي تحدد السرعة التي سوف تتعلم بها

أنت سوف تتقن فعلا الموضوع الذي تدرسه

أنت الذي تختار الوقت الذي تحب أن تأتي به

أنت ستتعلم بمسار سريع ودون تشتت أو تأخير

أنت مؤكد النجاح.

ما الذي قد يعنيه هذا لنوبرت فينستر كعمليه تعليم؟ ربما ليس الكثير وبعد فإن هذا النوع من التعليم قد امتد منذ مائه عام، أليس من المحتمل أن تستمر الأمور كما هي ويبقى فينستر ونموذجه التعليمي مستمرين كما كانا منذ القديم رغم كل التغيرات التي نشهدها في العالم من حولنا ؟..

يتنبأ سيمور بابرت أستاذ الرياضيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا(MIT) بأن مثل هذا الصف لن يستطيع الاستمرار خلال العقد القادم ويقول أنه ما دامت عمليه التواصل المعلوماتي للمعلم تتنحى تدريجيا لصالح رقاقة السيليكون ( الحاسوب ) فإن المدارس كما نعرفها الآن سوف تنقرض ليحل محلها الحاسوب الذي سيساعدنا وجوده على التطوير الفعال للبيئة التعليمية خارج حدود غرفه الصف، بحيث أن معظم (إن لم يكن كل) مدارس المعرفة التي تحاول حاليا أن تعلّم بطريقة تتضمن قدرا من المعاناة للطالب وقدرا من النفقات المالية وبقدر محدود من النجاح، سوف يعقبها الأطفال الذين يتحدثون دون معاناة وبنجاح كبير دون الحاجة إلى بنيات تنظيمية وهذا يدل على أن المدارس التي نعرفها اليوم لن يكون لها مكان في المستقبل.

مترجمة من مقدمة كتاب: Teaching for Thinking