ربما يكون باطن الأرض أكثر سخونة مما يعتقد بعض العلماء. فالقلب الحديدي للأرض يحتوي على كميات من البوتاسيوم المشع الذي يولد حرارة لدى انحلاله، كما يقول راما مورثي من جامعة مينسوتا في مينابولس وزملاؤه. وهذا يفسر استمرار بقاء باطن الأرض ساخنا منذ تكونها ككرة نارية قبل 4.5 مليار عام. فكميات الحرارة في قلب الكرة الأرضية لها تأثيرات كبيرة سواء في الماضي أو المستقبل على سلوك الكوكب، لعل أهمها هو تحديد متى خرج المجال المغناطيسي إلى حيز الوجود. فالمجال المغناطيسي يساعد في تدريع الكوكب ضد الرياح الشمسية وهي شلالات من الجسيمات المشحونة التي تنبعث من الشمس. وبدون هذا الدرع المغناطيسي كان يمكن للرياح الشمسية النفاذ إلى أعماق الغلاف الجوي وإذن لأصبح سطح الأرض عرضة لزخات قوية من الجسيمات المشعة عالية الطاقة وبالغة الخطورة تجعل استمرار الحياة عليها مستحيلة.

 وتؤثر الحرارة المنبعثة من قلب الأرض كذلك في الخض البطيء لصخور الستارة، وهو ما يولد التحركات السطحية في القشرة الأرضية والمسؤولة بدورها عن تشكيل القارات والمحيطات وعن الدفع الذي يؤدي لتكوين السلاسل الجبلية.

وتسخين صخور الستارة هو الذي يولد الكتل الصخرية المنصهرة التي تبرز من الأعماق لتكون المناطق البركانية مثل هاواي وآيسلندة.  وينبغي أن تساعد المعطيات الجديدة في حسم الجدل الطويل الدائر حول ماهية حركات الخض هذه. لأن كرة أسخن مثلا ستعني أن الكتل المصهورة الصاعدة ربما تنبعث من أسفل قاعدة الستارة.

درس في التاريخ
potasium-1

 لقد كان للنشاط الإشعاعي ودوره في تسخين باطن الأرض دور حيوي في المسألة التاريخية لوجود الحياة على الكوكب. فقبيل اكتشاف النشاط الإشعاعي في القرن التاسع عشر، قدر الفيزيائي اللورد كلفن أن الأرض كانت ستحتاج مدة 98 مليون عام فقط منذ تكونها لتبرد إلى حالتها الراهنة. لكن بحلول عام 1907 توصل رائد النشاط الإشعاعي الأمريكي بولتوود إلى أن الحرارة الإضافية التي يوفرها انحلال العناصر المشعة في باطن الأرض تعني أن الكوكب يمكن أن يكون أكبر عمرا ربما بعدة مليارات من السنين.  وينسحب نفس المنطق على عمر المجال المغناطيسي للأرض والذي ينشأ عن حركة الحديد السائل في نواة  الأرض. وينشأ بعض هذه الحركة من الحرارة التي يطرحها تصلب الجزء الداخلي من النواة. لكن هذه العملية بحد ذاتها يقدر أن تنتج حرارة كافية فقط لتكوين مجال مغناطيسي خلال المليار الأخير من السنوات.

 غير أن الصخور القديمة تتضمن أدلة على أن الأرض كان لها مجال مغناطيسي لما لا يقل عن 3.5 مليار سنة مضت. وفي العام الماضي اقترح كريستين جيسمان وبرنارد وود من جامعة بريستول في المملكة المتحدة أن بقية الحرارة ربما كان مصدرها الانحلال الإشعاعي للبوتاسيوم في النواة.  ينحل نظير البوتاسيوم -40 بعمر نصف 1.25مليار سنة، وهو انحلال بطيء بما يكفي لتوليد الحرارة على مدى تاريخ الكرة الأرضية. وهناك الكثير من البوتاسيوم في باطن الأرض لكنه لم يكن من الواضح كم من هذه الكمية نفذت إلى النواة الحديدية، حيث ناقضت التقديرات السابقة بعضها بعضا.

ويفترض فريق مورثي أن سبب هذا الغموض ناتج عن مشاكل تجريبية. فقد قاس الباحثون كمية البوتاسيوم التي مرت من السليكات المصهورة كما في صخور الستارة الساخنة، إلى مصهور الحديد الغني بالكبريت، كما في النواة، وذلك عند درجات حرارة وضغط تقارب تلك السائدة عند الحد بين الستارة والنواة. واعتبروا أن كمية البوتاسيوم التي تعبر إلى الحديد السائل لا تختلف كثيرا عما تنبأ به جيسمان و وود. ويعتقد بوجود كميات أكبر من الكبريت – الذي هو مفتاح إذابة البوتاسيوم في الحديد – في النواة الحديدية لكوكب المريخ، وبذلك فربما يكون التسخين بالنشاط الإشعاعي في المريخ أكثر أهمية مما يعتقد. وربما يكون هذا التسخين قد مكن المريخ من تكوين مجال مغناطيسي في أزمنته الغابرة، والذي ربما كان له الأثر الكبير في حماية أية حياة قد تكون نشأت عليه ذات يوم في بيئة أكثر دفئا واعتدالا.

المصدر