تقديم: د.سائد دبابنة

من المعلوم أن التفاعلات النووية في النجوم هي التي تولد الطاقة التي تجعلها تتألق في السماء، ولكن البعض لا يعلم أن ذات العمليات النووية التي تجري في النجوم، هي المسؤولة، رغم الإختلاف المكاني والزماني، عن بناء العناصر الكيميائية التي يتكون منها عالمنا؛ أجسامنا وأدواتنا، غذائنا وهوائنا، وكل ما يحيط بنا، من خلال تفاعلات إندماجية نووية، أو تفاعلات اقتناص النيوترونات، والتي تمت وما دأبت تتم في بيئات نجمية مختلفة، إن كان في مراحل حياة النجم المختلفة، أو عند انفجاره على شكل سوبرنوفا. وفي جميع الأحوال، فإن ما يتم إنتاجه من عناصر خفيفة وثقيلة في ذلك المرجل النجمي يتناثر في الفضاء الكوني الفسيح عند إنفجار النجم، مشكلاً سحابة من السديم التي تتكاثف مرة أخرى، ومع سدم أخرى، مولدة جيلاً جديداً من النجوم، وما قد يتبعها من كواكب، قد تأوي الحياة على سطحها.

ولإعطاء المزيد من التفاصيل للقارىء الكريم، فقد بدأت عملية البناء المستمرة هذه إعتماداً على مخلفات الإنفجار العظيم Big Bang في بداية عمر الكون، وهي العناصر الأخف (الهيدروجين والهيليوم، وقليل من الليثيوم). شكلت هذه المادة الأزلية الخفيفة نجوماً من الجيل الأول، تفاوتت في الكتلة. لم تستطع التكوينات شبه النجمية صغيرة الكتلة أن تطلق شرارة أول إندماج نووي لتدني درجة حرارتها، وبقيت على شكل أقزام بنية كما يسميها العلماء. أما النجوم الأثقل قليلاً، فاستطاعت أن تدمج الهيدروجين لتشكل مادة الهيليوم (كما تفعل شمسنا حالياً)، منتجة طاقة نووية نتيجة تحول بعض الكتلة إلى طاقة أثناء عمليات الإندماج، غير أنها توقفت عند ذلك الحد ولم تستطع أن تدمج أنوية الهيليوم التي صنعتها، وينتهي عمرها بإطلاق سديمها، مخلفة شبه نجم يصطلح على تسميته بالقزم الأبيض.

أما النجوم العملاقة، فقد أخذت على عاتقها إنتاج المادة الأثقل من الهيليوم، فدرجة الحرارة الفائقة في باطنها وفرت ما يكفي من سرعات لأنوية الهيليوم للإندماج، غير أن ما ينتج من اندماج نواتي هيليوم، وهو البريليوم، ينفصل مباشرة لأسباب مرتبطة بطبيعتها النووية، مبقية الفرصة سانحة لاندماج ثلاثة من أنوية الهيليوم التي تشكل الكربون. تتوالى عمليات الإندماج النووي في حلقات وطبقات، تشبه تركيب البصلة، في باطن النجوم العملاقة وصولاً إلى تكوين لب النجم الذي سيمتلىء في نهايات عمر النجم بمادة الحديد. لا يمكن للحديد أن يندمج حسب الفيزياء النووية، فاندماجه يحتاج إلى طاقة تفوق ما يمكنه إنتاجه، لذلك فإن بناء العناصر الأثقل من الحديد يتم من خلال عمليات قنص النيوترونات، وما يرافقها ويتبعها من تحللات بيتا. تسمى هذه بالعملية البطيئة s-process لأنها تجري أثناء مراحل طويلة من عمر النجم العملاق، وتتوقف عملية البناء هذه عند الرصاص والبيزموث. فماذا عن بناء العناصر الأثقل من الرصاص؟ ينهار النجم العملاق داخلياً عند إنتهاء عمره، ثم تتشكل موجة صادمة نحو الخارج، وهو ما تم التعارف على تسميته بالسوبرنوفا. تشكل الثواني القليلة التي ترافق هذه العملية بيئة مناسبة لعمليات قنص نيوترونية سريعة r-process تنتج العناصر الأثقل من الرصاص. تخلف إنفجارات السوبرنوفا بؤراً تسمى بالنجوم النيوترونية، أو حتى ثقوباً سوداء إذا كان النجم المنفجر فائق الكتلة. ينتج عن تلك الإنفجارات كذلك حلقات من السحب تتنائر في فضاء الكون الفسيح، وتحوي كل ما تم إنتاجه من مادة أثناء حياة النجم، أو أثناء انفجاره. يصادف أن تتكاثف تلك السحب مكونة نجوماً جديدة، ومنها نجمنا ومجموعتنا الشمسية، وكوكبنا، وكل ما على هذا الكوكب من جماد، أو مادة حية.

تتلخص إحدى إبداعات الفيزياء النووية، النظرية والتجريبية، بقدرتها على توفير المادة العلمية التي تفسر للفلكيين مشاهداتهم، وتفك ألغاز بناء المادة في الكون. أخيراً أود التنويه إلى أن طيفاً من التجارب النووية المرتبطة بهذا الحقل من العلوم يمكن إجراؤها، من حيث المبدأ، في الأردن.