إنّ حدوث خلافات في بيئة البحث العلمي المليئة بالضغوط أمرٌ حتميّ. والمهمّ هو معرفة كيفية التعامل مع هذه الخلافات عند حدوثها.

كارين كيبلن

المختبر ساحة صراع-1

كانت إيريكا شباركنباو قلقةً عندما طلب منها مشرفها الرئيس أن تنهي ورقة بحثية، كان قد بدأها باحثٌ أقدم منها من حاملي الدكتوراة. لم تشأ أنْ ترفض وتبدو غير متعاوِنة، لأنها حديثة عهد بالمختبر. تتذكر شباركنباو الباحثة في مجال الالتهابات والتخثر بجامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل قائلةً: «شعرتُ بالحرج نوعًا ما، وكنتُ مستاءةً». وتُتَابِع: «لم أُرِدْ أن تكون هذه بداية أبحاثي لما بعد الدكتوراة». بعد وقت قليل، وصل إلى مسامعها أنباء عن أن زميلها غاضب من اختطاف مشروعه البحثي. ذهبت شباركنباو ـ بدافعٍ من القلق على مستقبل علاقتهما في العمل وعلى الصداقة بين زملاء المختبر ـ لتتحدث إلى زميلها الغاضب في يوم هادئ في مكتب الباحثين بالجامعة. شرحت له أنّ ما حدث لم يكن أمرًا مقصودًا. تقول: «ذهبت إليه، وسألته إذا كان لا يمانع إنهائي للورقة البحثية. أردتُ أنْ أخبره أن المشرف الرئيس هو الذي طلب مِنِّي أن أُكمل الورقة البحثية، لأنه كان يعلم أن (الزميل) كان مشغولًا بمشروعات أخرى».

كان هذا الحوار مثمرًا، فلقد تلاشى حنق زميلها، واتفق معها على ضرورة الحديث مع المشرف؛ من أجل الوصول إلى نهج ينطوي على تعاون أكبر. وقد اتفق الثلاثة على جدول زمني، يقوم فيه الباحثان بإنهاء الورقة البحثية معًا، وتقديمها للنشر في جريدة علمية. وسارت الأمور كما هو مخطَّط لها، وتخضع الورقة البحثية الآن للمراجعة. تقول شباركنباو: «أعتقد أن ذهابي إليه مباشرة كان مفيدًا حقًّا. والآن، أصبحت علاقتنا في العمل ممتازة، فالأمر يستحق تلك الدقائق العشر التي شعرت فيها بالإحراج».

تنشأ في المختبر كافة أنواع الشقاقات، ويقع فريستها حتى أكثر الباحثين وطلاب الدراسات العليا حُسنًا للنوايا. يقول خبراء حل النزاعات إن العديد من الصدامات تنبع من تبايُن التوقعات، وعدم فاعلية أو كفاية المعلومات المتبادَلة. قد لا يعرف الباحثون الأصغر سنًّا بوضوح مسؤولياتهم أو مسؤوليات زملائهم في المختبر، أو ربما لا يفهمون بشكل كامل كيف تسير الأمور في المختبر. كما أنهم قد يتواصلون بشكل سيئ؛ وبالتالي يَبدون ـ دون قصد ـ وكأنهم مشاكسون، أو صِدَامِيُّون.

بإمكان الباحثين الصغار التقليل من مخاطر الصراعات الحادة التي من الممكن أن تضر بمستقبلهم المهني، وذلك من خلال اتباع بعض المعايير البسيطة: جمع المعلومات قبل الوصول إلى المختبر، وترتيب حوار متعمق مع كبير الباحثين وأعضاء المختبر الآخرين، والإبقاء على الهدوء عندما تنشأ الخلافات. كما قد تفيد استشارة زميل أقدم أو إداري أو مؤسسة داعمة، مثل مكتب الباحثين الجامعيين، خاصةً إذا ما كان النزاع شديد الحساسية، بحيث لا يمكنك التعامل معه بمفردك. إن تَجاهُل الأوضاع المتفجرة أو تركها تفسد لن يجعلها تختفي، وقد يعرِّض وضع الباحث للخطر.

تهيئة الأوضاع

حالما يعرف طلاب الدراسات العليا أو باحثو ما بعد الدكتوراة أنهم سيعملون في مختبر معين، عليهم أن يسعوا لمعرفة قدر ما يستطيعون من المعلومات عن مشرفهم وفريقهم. هناك معلومات مفيدة عن شخصية المشرف الرئيس وعن أسلوب الإدارة، يمكن اكتشافها من خلال التحدث مع أعضاء المختبر الحاليين أو السابقين، حسبما يقول تشارلز دواير، المدرب التنفيذي والبروفيسور الفخري للتعليم في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا. ويضيف: «تَقَصَّ عمّا حدث مع الأشخاص الذين عملوا مع هذا المشرف في السابق». ويتفق جون بالدوني معه، مؤكدًا أن هذه المعلومات المباشرة وغير القابلة للنشر لا تقدَّر بثمن. ويضيف: «إنك بحاجة إلى أنْ تفهم خلفية رئيسك في العمل».

وحالما يتسلح بتلك المعلومات الاستخبارية، ينبغي على الباحث الجديد أن يرتب موعدًا لحوار قصير مع المشرف الرئيس، ربما بدعوة على فنجان من القهوة، ويكون ذلك في أقرب وقت ممكن، وبالتحديد قبل بدء العمل. والهدف من ذلك هو فَهْم المهام المحددة والالتزامات المتوقَّعة من كل واحد من أعضاء الفريق، وكيف يعمل المختبر يوميًّا، وأسبوعيًّا، وشهريًّا، وكيف يتعامل المشرف مع القضايا الشائكة المعتادة، مثل المِنَح التي لا يتم تجديدها، أو ساعات العمل الطويلة، أو تحديد مَنِ المؤلف الرئيس للأوراق البحثية. يقول توني نونيز، عالِم الأعصاب في جامعة ميتشيجان ستيت في إيست لانسينج، التي يترأس فيها مكتب باحثي ما بعد الدكتوراة: «إذا لم يحصل الباحث أو طالب الدراسات العليا على أيٍّ من هذه المعلومات من المشرف الرئيس؛ فإنّ عليه أن يسأله عنها».

بالإمكان كذلك إجراء مثل هذا الحوار الهادف؛ للبحث عن معلومات مع مجموعة من زملاء المختبر، وليوضحوا كيف يتفاعلون معًا. تقول لويلن إسيكس، المدربة التنفيذية في مينيابوليس بمينيسوتا: «إن الهدف من ذلك هو درء الخلافات، من خلال معرفة طبيعة المكان، قبل أن تتاح فرص للجدل». وتضيف: «أفضل السبل للتعامل مع أيّ أمر هو قبل حدوثه».

تقول وي شون وي ـ عالمة بيولوجيا الخلايا الجزيئية، التي تقوم للمرة الثانية بأبحاث ما بعد الدكتوراة في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة ـ إنه عند الالتحاق بمختبر، على الباحثين الجدد أن يتّبعوا قواعد أساسية.. «إنني دائمًا ما أتحدث إلى عضو أقدم في المختبر، عادةً ما يكون المشرف الرئيس، وذلك من أجل معرفة هذه القواعد». وتضيف: «أسأل عن كيفية ترتيب المكان، وكيفية تشغيل المجهر، وعن أشياء من هذا القبيل».

هذا اللقاء الأَوَّلِي ليس كافيًا، إذ يجب أن تبقى خطوط التواصل مفتوحة. ويجب على الباحثين الذين لا يزالون في بداية مسارهم المهني أنْ يتأكدوا مِنْ أنهم على الطريق الصحيح، من خلال مراجعة مشرفيهم بشكل منتظم، وليس فقط الاكتفاء باجتماعات المختبَر التي تركز على تطورات المشروعات البحثية. بمرور الوقت، قد تتغير متطلبات المشرف. يقول نونيز: «عليك أن تستكشف التوقعات بشكل دوري.. فهناك بالفعل ما يسمَّى بتحلُّل الذاكرة، كما أنّ الأمور تتغير».

«إنك بحاجة إلى أنْ تفهم خلفيّة رئيسك في العمل» - جون بالدوني

«إنك بحاجة إلى أنْ تفهم خلفيّة رئيسك في العمل» – جون بالدوني

من المفيد الإبقاء على سجلات دقيقة للعمل في مفكرة للمختبر، أو أي وسيلة تدوين أخرى؛ لتلافي المشكلات. يحكي جريمي بوس ـ عالِم المناعة في جامعة إيموري في أتلانتا بولاية جورجيا ـ موقفًا غريبًا حدث لدى مواجهة طالبة دراسات عليا، بدا أنها شحيحة الإنتاج، حيث يقول: «بَدَأَتْ في البكاء»، لكنها أخرجت مفكرتها الخاصة بالمختبر، وأرته توثيقًا مفصَّلًا لعملها على مدار العام السابق. ويقول بوس: «لقد حَقَّقَتْ إنجازات عظيمة. كل ما في الأمر أنني لم أكن متنبّهًا لذلك».

من بين الطرق الأخرى لتجنب الصدامات، أنْ تحتفظ بمفكرة مشتركة شاملة لجدول الفريق ومشروعاته البحثية اليومية والأسبوعية. تقول آنّا كوبيك ـ باحثة ما بعد الدكتوراة في مجال البيولوجيا المَرَضِيّة في جامعة ولاية ميتشيجان، والرئيس المشارك بجمعية باحثي ما بعد الكتوراة في الجامعة ـ إنّ المختبَر الذي تعمل فيه يحتفظ بمثل تلك القائمة على سبورة بيضاء. فبمجرد لمحة؛ يعرف كلُّ شخص ما يفعله أيّ شخص آخر، وأين، ولِمَن، ومن ضمنهم الفنِّيُّون العاملون في المختبر.

هدِّئ النار

ماذا يحدث عندما تنشأ بالفعل مشكلة مع زميل أو مشرف؟ من المهم أن تبقى دبلوماسيًّا، غير دفاعيّ، حسبما تقول إسيكس، التي تضيف قائلةً: «لا تتصادم بطريقة قد تعرقل مسارك المهني». ومن المفيد في هذا الوقت إعادة صياغة موقف الشخص الآخر بهدوء (انظر: «كيف تتعامل مع الخلافات»). وتتابع إسيكس: «أَعِدْ صياغة كلامه، واستفسر إذا لم يكن الكلام واضحًا، ومن ثم أخبره بوجهة نظرك. والأهمّ أنْ تكون منفتحًا على ما يقوله، أيًّا كانت فحواه»، فعلى سبيل المثال.. إذا قام المشرف الرئيس باتهام أحد باحثي ما بعد الدكتوراة بالفشل في إدارة وتوجيه طالب دراسات عليا بشكل فعّال، يجب على الباحث في هذه الحالة البقاء هادئًا، وتكرار الشكوى، وأنْ يطلب توضيحًا وأمثلة. وإذا كان لدى المشرف انطباع أو معلومات خاطئة، فبإمكان الباحث إزالة سوء التفاهم.

تَوَاصُل: كيف تتعامل مع الخلافات

إذا كانت الانتقادات حقيقية، فعلى الباحث أنْ يعترف بِصِحّتها، وأن يعرِض علاجًا للأمر، مثل ترتيب اجتماعات بشكل منتظم مع الطالب، أو الجلوس معًا لمناقشة احتياجاته؛ وتقديم النتائج إلى المشرف الرئيس. وعلى الباحث في هذه الحالة أن يشكر المشرف لإثارته هذا الأمر. وتضيف إسيكس: «الابتعاد عن المواقف الدفاعيّة، والبقاء منفتحًا على التعليقات الناقدة هي أمور مهمة لخَلْق علاقات مهنية قادرة على الإنتاج»، مشيرةً إلى أنه «لا يوجد شخص بلا عيوب».

عندما يكون أحد الباحثين الجدد هو مَنْ يتعرض بالحديث لموضوع حساس، أو يتقدم بشكوى، فإن إسيكس تنصح بأنْ يقوم بشرح المشكلة بوضوح وإيجاز، باستخدام لغة تَصَالُحِيّة، مثل: «هل أنت مستعد لمناقشة..»، أو «هل يمكنك أن تساعدني في..»، أو «هل تعتقد أن..»، مع تقديم حلول مقترحة. على سبيل المثال.. إذا كانت المشكلة متعلقة بالعمل لساعات طويلة جدًّا، قد يقترح الباحث الجديد القيام ببعض الأعمال ـ مثل تحليل البيانات ـ من المنزل. وفي بعض الحالات قد يكون طلب العمل لساعات أقل أسبوعيًّا أمرًا مناقِضًا لثقافة المختبر؛ فإذا ما كانت هذه هي الحال؛ فغالبًا ما يكون بالإمكان اكتشافها في اللقاءات التمهيديّة لفريق المختبر.

تنصح وِي شون وِي بمعرفة قواعد المختبر، قبل بدء العمل فيه.

تنصح وِي شون وِي بمعرفة قواعد المختبر، قبل بدء العمل فيه.

إذا شعر الباحث بالإرهاق وأراد أن يأخذ إجازة لبضعة أسابيع، فمن الأفضل أنْ يرتِّب أنْ يتولى زملاؤه في المعمل مهامه في فترة الغياب، وذلك قبل أن يتوجه إلى المشرف. تقول كوبيك: «اخبر المشرف الرئيس أنك رتبتَ أمر العمل في غيابك». وتضيف قائلةً إنك بذلك تكون قد «تكلمت مع الباحثين الآخرين، ومع طلاب الدراسات العليا، ومع الفنيين، وبإمكانك الاطمئنان على سير التجارب من المنزل، ولديك إمكانية للولوج إلى البيانات».

إذا ما أصبح الحوار حاميًا، ينصح نونيز بأنْ تحاول أن تأخذ خطوة إلى الخلف في المناقشة، ويقول إنّ هذا يمكن أن يتم من خلال إخبار الشخص الآخر بأنّ هذا ليس الوقت المناسب لمناقشة الأمر، وأنْ تقترح عليه وقتا آخر للتحدث. تقول كوبيك إنها عندما تكون غاضبة؛ تأخذ نَفَسًا عميقًا، وتخرج لتتمشّى قليلًا، مضيفةً: «تعامَلْ مع المشكلات عندما تكون هادئًا فقط». واستثمر هذه الاستراحة القصيرة في التفكير في حلول.

المصدر:  الطبعة العربية- مجلة nature 

اقترحها : عمر نصير