د. محمد عوض الله *

استيقظ الإلكترون سينو وهو التاسع في ذرة صوديوم من نومه صباح أحد أيام الربيع على صوت عذب يشدو به بلبل في مكان ما في الجوار♠. ونظر حوله فرأى أشعة الشمس تملأ المكان، ورأى الإلكترونات الأخرى في الذرة تتقاطر نحو النواة لتلقي عليها تحية الصباح.

ذرة صوديوم

كان مدار هذا الإلكترون يمر في بعض مراحله قريبا من النواة، ولكنه ولسبب ما، لا يكن الود لهذه النواة البغيضة التي ترفض السماح له بالذهاب في رحلة خارج الذرة. وحجة النواة في ذلك أن هناك نقصا في الطاقة سيحدث إذا غادرها سينو، فضلا عن أن هناك إلكترونا في مستوى أعلى منه يخرج ويعود باستمرار، وخروجه يكلف مقدارا أقل من الطاقة، لذا لا يمكن أن يخرج سينو.

فكر سينو في طريقة يتخلص بها من هذا الأسر الذي وقع فيه منذ فترة وجيزة. ذلك أنه كان يتجول بحرية تامة في أرجاء المعمورة، حينما اصطادته هذه النواة ليشغل المستوى المسمى 2Py والذي وجد فيه زميله المرافق مينا. تدور أحداث هذه القصة في ذرة صوديوم تسكن أحد الأحياء في بلورة تقع على طرف شريحة رقيقة من قطعة الصوديوم المبينة أدناه. حيث تنتظم الذرات في هذا الحي من البلورة في توزيع هندسي منتظم يطلق عليه النمط المكعب.

بلورة مكعبةعنصر الصوديوم

وترتبط الذرات معا برابطة أيونية تقوم على تبادل الإلكترونات الخارجية (التي تسمى إلكترونات التكافؤ) فيما بينها. فيكون فيها ما يشبه غيمة من الإلكترونات تتجول في المناطق بين الذرات.

وخطرت على بال سينو فكرة: ماذا لو تبادل المواقع مع الإلكترون موري في المستوى الأعلى!!. يمكنه عندئذ أن يخرج ويدخل كيفما شاء، وهو بالتأكيد ليس مغفلا ليعود إلى هذه النواة المتسلطة. وبدأ سينو يتحين الفرصة التي يكون فيها أقرب ما يمكن من موري ليعرض عليه الفكرة، وهو يحرص في الوقت نفسه على أن لا يعلم زميله مينا بأي شيء لئلا ينافسه على الموقع الجديد.

كان مينا راضيا بموقعه في المستوى 2Py ، وكان يتحرك في المستوى دونما تذمر أو طموح لمغادرة هذه الذرة الهادئة الوادعة. ذلك بأنه موجود فيها منذ مدة طويلة ولم يعد يذكر إن كان قد خلق فيها أم أنه قد جاءها من مكان آخر. فذاكرة الإلكترونات لا تضرب بعيدا في الزمن، ولولا أن سينو تم أسره قريبا لكان الآن مثل مينا راضيا قانعا.

تتحرك الإلكترونات في المنطقة المحيطة بالنواة في مستويات مختلفة للطاقة يتحدد شكلها من خلال تفاعل الإلكترونات فيما بينها ومن تفاعلها مع النواة. وهذا التفاعل يقصد به القوى والمجالات التي يؤثر بها كل طرف على الأطراف الأخرى. وهكذا تتوزع الإلكترونات حول النواة في مناطق محددة حسب طاقة كل منها حسب ما يبين الشكل التالي.

أفلاك الالكترونات

 يحل كل إلكترون في مستوى معين حسب الطاقة التي يحملها. وتمثل هذه المستويات فقط الأماكن المسموح فيها بتواجد الإلكترونات.  ورغم أن هذه المستويات تبدو متداخلة إلا أن الإلكترونات لا يمكنها أن تتصادم ولا أن تدخل في مسار خطأ.  وتتحرك الإلكترونات بحيث تبدو متواجدة في كل مكان من مستوى الطاقة الذي تشغله، ولكن تواجدها هذا لا يكون بالضرورة بنفس الكثافة في كل أرجاء مستوى الطاقة.

تكون  كميات الطاقة التي تحملها الإلكترونات في هذه المستويات محددة بمعايير المستوى نفسه، ولا يسمح لإلكترون أن يدخل مستوى طاقة معينا وهو يحمل كمية أقل أو أكبر من الطاقة.  ولكي ينتقل إلكترون من مستوى طاقة إلى آخر فعليه أن يمتص طاقة يمكنه من الصعود لمستوى أعلى أو أن يقذف كمية من الطاقة يهبط بعدها لمستوى أدنى. وتمثل انتقالات الإلكترونات صعودا وهبوطا في الذرة مصدر الضوء المرئي الذي يملأ الأجواء حولنا. فذرة الصوديوم تبث الضوء المبين، الذي يضيء شوارع مدن العالم بواسطة مصابيح الصوديوم المعروفة.

طيف الصوديوم

وأخيرا حانت الفرصة أمام سينو ليكلم موري في الأمر، لكن الجواب الذي تلقاه منه كان مخيبا للآمال. فقد طلب منه تقديم ثمن للحصول على موقعه، وهذا الثمن هو مقدار معين من الطاقة. وأخذ سينو يفكر، من أين يمكن له الحصول على هذه الطاقة؟ ووجد الحل: الفوتونات!!.

كانت الفوتونات تمر مسرعة كالشهب يمينا ويسارا. وكان كل فوتون لا يلقي بالا لأي من الإلكترونات، إلا إذا صادف وجوده مباشرة في طريقه. فعندها كان يحدث أحد أمرين:

إما أن يمتص الإلكترون هذا الفوتون تماما ويقفز صاعدا إلى مستوى أعلى ويمكث فيه بهدوء ، وهذا ما لم يكن يحدث إلى نادرا وعندما تتوافق المقاييس، أي عندما تساوي طاقة الفوتون تماما الثمن اللازم للانتتقال.

وإما أن تكون طاقة الفوتون أكبر من الثمن اللازم وعندها يقفز الإلكترون إلى المستوى الأعلى ويجمع ما تبقى معه من طاقة ويطلقها على شكل فوتون ذي طاقة أقل.

فإذا كانت طاقة الفوتون الوافد كبيرة بما فيه الكفاية فإن الإلكترون يمكنه القفز خارج الذرة كلها وعندها يكون قد تحرر ويستبقي الطاقة التي تزيد معه كطاقة حركة يتجول بها في أرجاء الحي كما فعل سينو يوما.

أما إذا كانت طاقة الفوتون أقل من الثمن اللازم للانتقال فعندها يمكث الفوتون قليلا في التفاوض مع الإلكترون ثم يغادر ويتركه على حاله.

مكث سينو طويلا ينتظر قدوم الفوتون المحرر، لكن أحدا لم يأت. وحاول عبثا مناداة هذا الفوتون أو ذاك ليحرف مساره ويأتي إليه لكن أكثر ما كان يحصل عليه هو نظرة لا مبالاة يلقيها الفوتون وهو يواصل طريقه.

وبعد فترة انتظار طويلة، فوجئ سينو يوما بالإلكترونات تتطاير من حوله. وفوجئ بنفسه أيضا ينساق سوقا بقوة كبيرة إلى حيث لا يعلم. كان الحدث مفاجئا ولم يتسن له حتى أن ينظر إلى النواة البغيضة التي كان يتوق للخلاص منها.

ترى ما الذي حدث، وكيف؟

البقية تأتي في الحلقة القادمة إن شاء الله.

ملاحظة: استغرق حدوث أحداث هذه القصة مدة 16 ميكرو ثانية.

* قدمت حلقات هذه القصة على شكل سلسة محاضرات عامة للمؤلف في الجمعية الفلكية الأردنية بين عامي 2001 و 2005.

♠ وضعت هذه العبارة  وبعض العبارات المماثلة لاعطاء نكهة لبداية القصة .. ومن المؤكد أن عالم الالكترونات ليس فيه ربيع ولا بلابل ولا شمس الصباح..