د. محمد عوض الله

هل تتكلم الإنكليزية، هل تتكلم الإسبانية، هل تتكلم الصينية؟ طيب، هل تتكلم الرياضيات؟

سؤال بسيط يجدر بكل فيزيائي أن يسأله لنفسه، هل أمتلك الأدوات الرياضية الملائمة للتعامل مع موضوعات الفيزياء المختلفة؟ وهل الرياضيات بالنسبة لي مجموعة من المعادلات المتداخلة والرموز المعقدة؟

بالنسبة لكثير من الناس لا تعدو الرياضيات أن تكون مجموعة من التعقيدات المتداخلة التي لا بد من “بصمها” وإعادة كتابتها كما هي. ولا يحاول الكثيرون الغوص في أعماق المفاهيم والمعاني التي تتضمنها هذه المعادلات،  ظنا منهم أن هذا سيكون مضيعة للوقت وأن الرياضيات علم تجريدي لا علاقة له بالواقع.

لكن الواقع هو شيء آخر، فكل معادلة رياضية إنما تمثل “سلوكا” فيزيائيا لنظام ما. وإنما يمكننا التعبير عن كل حد من حدود المعادلة بدلالة جزء من أجزاء هذا النظام. وهناك معادلات تسمى بأسماء أنظمة فيزيائية كمعادلة الموجة، ومعادلة الانتشار الحراري، ومعادلتي لابلاس وبوسون لتوزيع الجهد الكهربائي، ناهيك عن معادلات ماكسويل ومعادلات الحركة في الميكانيكا.

وبتناول بسيط للأمر، نلاحظ أن تربيع البعد المكاني يعطينا مساحة، وأن تكعيبه حجم. وأن قسمة البعد المكاني على الزمن هو سرعة. وأن الكتلة على الحجم كثافة، والكتلة في التسارع قوة… إلخ. ثم تطور الأمر فأصبحت هناك حاجة لوصف تغير هذه الكميات بتأثير بعضها. فكانت معادلات الحركة التي تصف الإزاحة الناتجة عندما تتسارع الأجسام، فضلا عن سيرها بسرعة ثابتة. وكانت معادلتا كيرشوف لوصف التيارات في حلقات يدخلها أكثر من جهد كهربائي في آن واحد.

وفي أية معادلة، يعبر تفاضل كمية ما بالنسبة للزمن عن التغير الزمني لهذه الكمية، كما في تفاضل المسافة مع الزمن لإعطاء السرعة وكما في تفاضل السرعة مع الزمن لإعطاء التسارع. أما تفاضل الكمية نسبة للإزاحة أو للمكان فيمثل توزيع هذه الكمية عبر المكان. ومثال ذلك معادلتا لابلاس وبوسون اللتان تمثلان التوزيع المكاني للجهد. ويمكن تمثيل ذلك هندسيا بميل المنحنى الذي يعبر عن تغير تلك الكمية مع الزمن أو الإزاحة.

أما تكامل كمية ما بالنسبة للزمن فيمثل تراكم هذه الكمية مع الزمن، كما هو الحال عند حساب كمية الشحنة المارة في موصل خلال فترة زمنية معينة بتكامل التيار زمنيا خلال الفترة المطلوبة. وأما تكامله عبر المكان فيمثل جمعا لكميات متغيرة ضمن مساحة أو حجم محدد. ومثال ذلك حساب كتلة جسم متغير الكثافة أو جزء من ذلك الجسم.

وربما قادنا التوافق بين المعادلات الرياضية والواقع الفيزيائي إلى نوع من الدهشة. خصوصا عندما تتنبأ المعادلات بوجود ظواهر لم يكن الفيزيائيون يعرفون بوجودها بعد، كما حدث في تنبؤ معادلات ماكسويل بوجود تيار الإزاحة عبر دائرة تحوي مكثفا. لكن هذه الدهشة ينبغي أن تزول إذا تذكرنا أن منشأ هذا الصرح الرياضي إنما بدأ من مفردات بسيطة واكبت حاجة الإنسان وتطورت مع تطور هذه الحاجات. ومن هنا فقد كان لزاما على الرياضيات الناشئة عن ذلك أن تعكس وأن تصف السنن الكونية، سواء تلك التي علمها الله تعالى للإنسان عند خلقه، أو تلك التي دأب على اكتشافها يوما بعد يوم.