تقديم: د.سائد دبابنة

الجُسَيْم الأولي الغامض، ذو الكتلة المتناهية جداً في الصغر، والتي لم يتم قياسها بدقة بعد، والذي لا يحمل شحنة كهربائية، لا يزال يشكل تحدياً للبحث العلمي الأساسي، ولكنه وفي ذات الوقت، أصبح أداة محتملة هامة للبحث العلمي التطبيقي، وفي مجالات متعددة. هذا الجسيم اللغز هو النيوترينو.

صفتان هامتان تميزان النيوترينو: أولهما قدرته على تغيير طبيعته (أو كما تدعى نكهته) أثناء تنقله، فله ثلاث “نَكَهات” لا يفتأ يُغير نفسه من واحدة منها إلى الأخرى. أما الصفة الهامة الأخرى فهي تفاعله الضعيف جداً مع المادة، مما يجعل حتى الكرة الأرضية بأكملها شبه شفافة بالنسبة لمعظم النيوترينوات الشمسية مثلاً، تخترقها وكأنها غير موجودة بالنسبة لها!
إن ضعف تفاعل هذا الجسيم الشبحي مع المادة يعتبر صفة سلبية من ناحية، فهي تجعل كشفه وقياسه تجريبياً من قبل الإنسان أمر في غاية الصعوبة، ولكنه ممكن باستخدام كواشف وميضية ضخمة نظراً للعدد الهائل جداً من هذه الجسيمات التي تنتج في كل سنتمتر مربع واحد، إما من النجوم (ومنها شمسنا)، أو من تفاعلات الأشعة الكونية، أو من المفاعلات النووية على الأرض، أو من تحللات بيتا للمواد المشعة داخل باطن الأرض. إن ذات الصفة الشبحية تعتبر إيجابية كذلك، فهي تمكن هذا الجسيم العجيب من الخروج من قلب المفاعل النووي ومن باطن الأرض، ومن أعماق النجوم، وقطع المسافات الكونية الشاسعة، مما يجعله بحق سابر الأغوار، ينقل المعلومات للإنسان من حيث لا يستطيع أي جسيم آخر البزوغ!
لذلك، فإن النيوترينو مرشح ليكون أداة تطبيقية لمراقبة النشاطات النووية، علنية كانت أم سرية، فلا شيء يمنع خروجه من قلب المنشأة النووية ليُعلن عما يدور بداخلها، من حيث دورة القدرة، أو دورة الوقود! إن من التطبيقات الهامة الحديثة الأخرى لكواشف النيوترينو الضخمة، هي استخدامها في الدراسات الجيولوجية، فالأعماق السحيقة لباطن الأرض، إضافة إلى قشرتها، تبعث فيضاً هائلاً مما يصطلح على تسميته بالجيونيوترينوات، والتي تنتج عن تحللات سلاسل اليورانيوم والثوريوم الإشعاعية. إن هذه الجيونيوترينوات يمكن تمييزها عن نيوترينوات المفاعلات النووية من حيث معدل طاقتها، مما يمكن العلماء من تقصي كلا المصدرين على انفراد. إن هذه المجسات الجيولوجية الفيزيائية، حديثة العهد في الإستخدام التطبيقي، ستستخدم لفحص النماذج والنظريات المتعلقة بتكوين باطن الأرض، والمادة الكوكبية المتشكلة قبل أربعة مليارات ونصف من السنوات، كما تمكن من فهم مساهمة الإشعاعات النووية في مجمل مصدر الحرارة الجوفية، أو حتى دراسة الإحتمال الضئيل لمساهمة تلك التحللات الإشعاعية في ديناميكية جوف الأرض، والصفائح الأرضية.

تخطط الدول الأوروبية واليابان والولايات المتحدة لتطوير وبناء كواشف نيوترينو جديدة نقية وضخمة، توضع إما تحت الأرض أو في عمق المحيط، لاستخدامها في دراسات فيزياء الجسيمات الأولية والفيزياء الفلكية الجسيمية، ولكشف إنفجارات السوبرنوفا الكونية، وفي الجيولوجيا، إضافة إلى دراسات الأمن القومي! دول تخطط بمنهجية علمية صارمة.